قال الزمخشري : ولما اشتملت عليه الآية من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم ، لا لتجانس الكلمتين وهما قوله « ابلعي » و « أقلعي » وذلك وإن كان يخلي الكلام من حسن ، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللبّ وما عداها قشور « 1 » .
سنأتي على محاسن الآية ودقائق مزاياها - بتقرير من جهابذة الفن - عند ذكر الشواهد على النكت البلاغيّة في القرآن ، إن شاء اللَّه « 2 » .
جذباتٌ وجذوات « 3 »
« اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ »
« 4 » .
نعم ، هو أحسن حديث سمعَته العرب بل البشرية جمعاء ، كتاباً متشابهاً ، لا يختلف أسلوبه في التعبير والأداء ، في أبدع لفظ وأفخم معنى ، في رَوعة وأناقة وإكبار ، لا يختلف أوّله عن آخره ولا أطرافه عن وسطه .
مثاني ، تتكرّر قراءته من غير ملل ولا كسل ، بل هو المسك ما كرّرته يتضوّع . إنّها الأنفس البشريّة تهتزّ وجداً عند استماعه ، وتطرب خفّة عند تلاوته ، إنّها جذبة روحيّة تنجذب النفس انجذاباً من داخلها حيث جذوات الروح الملتهبة ، وليس وَهْماً أو خيالًا شعرياً في تيه الهيام .
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ »
« 5 » .
هامش
( 1 ) . الكشاف : ج 2 ص 398 .
( 2 ) . تحت عنوان « أعجب آية باهرة » .
( 3 ) . من تلك الجذوة التي جذبت موسى عليه السلام نحو الشجرة« فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »القصص : 30 .
( 4 ) . الزمر : 23 .
( 5 ) . ق : 37 .