حشوتُ في اذني حين غدوتُ إلى المسجد كرسفاً ، فَرَقاً من أن يبلغني شيء من قوله .
قال : فغدوت إلى المسجد وإذا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قائم يصلّي عند الكعبة ، فقمت قريباً منه ، فأبى اللَّه إلّاأن يسمعني بعض قوله . فسمعت كلاماً حسناً ، فقلت في نفسي : واثكل امّي ، واللَّه إنّي لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان الذي يأتي به حسناً قَبِلته وإن كان قبيحاً تركته .
قال : فتبعته إلى بيته ، وحدّثته الحديث ، وقلت له : فأعرض عليَّ أمرك ! قال : فعرض صلى الله عليه وآله عليَّ الإسلام وتلا عليّ القرآن ، فلا واللَّه ما سمعت قولًا قطّ أحسن منه ، ولا أمراً أعدل منه ، فأسلمت وشهدت شهادة الحقّ . فرجع إلى قومه وكان داعية الإسلام ، وأسلمَت معه قبيلة دوس « 1 » .
هذه شهادة شاعر لبيب له مكانته عند العرب ، وله معرفته وذوقه وسليقته ، جذَبته رَوعة كلام اللَّه وقلبته من كافر وثنيّ مشرك إلى داعية من دعاة الإسلام !
النضر بن الحارث
كان أبو جهل قد أزمع على أن ينال من محمّد صلى الله عليه وآله ، فأخذ حجراً وجلس ينتظر قدومه ، حتّى إذا جاء وقام للصلاة بين الركن اليماني والحجر الأسود جاعلًا الكعبة بينه وبين الشام ، فلمّا سجد احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه ، حتّى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه « 2 » مرعوباً ، قد يبست يداه على حجره ، حتّى قذف الحجر من يده . فقامت إليه رجال من قريش وقالوا له : مالك يا أبا الحاكم ؟ قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة - وكان قد عاهد اللَّه ليفضخنّ « 3 » رأسه بحجر ما أطاق حمله - فلمّا دنوت منه عرض لي دونه فحل من
هامش
( 1 ) . سيرة ابن هشام : ج 2 ص 21 - 25 ، أُسد الغابة : ج 3 ص 54 .
( 2 ) . انتقاع اللون : تغيّره .
( 3 ) . الفضخ : الشدخ والكسر .