وولده وعشيرته !
كان الوليد قد حضر الموسم ، فاستغلّت قريش حضوره فاستماروه بشأن دعوة محمّد صلى الله عليه وآله ، فأشار عليهم بتهمة السِحر لمّا لم يجدوا سبيلًا إلى رميه بجنون أو شعر أو كهانة !
قال : يا معشر قريش ، إنّه قد حضر هذا الموسم ، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فاجمعوا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا ، فيكذّب بعضكم بعضاً ، ويردّ قولكم بعضه بعضاً !
قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقال وأقم لنا رأياً نقول به .
قال : بل أنتم فقولوا ، أسمع .
قالوا : نقول : كاهن ! قال : لا واللَّه ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهّان ، فما هو بزمزمة الكاهن « 1 » ولا سجعه .
قالوا : فنقول : مجنون ! قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما بخنقه ولا تعالجه « 2 » ولا وسوسته .
قالوا : فنقول : شاعر ! قال : وما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر .
قالوا : فنقول : ساحر ! قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحّار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم « 3 » .
قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟
قال : واللَّه إنّ لقوله لحلاوة ، وإنّ أصله لعَذق « 4 » ، وإنّ فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا
هامش
( 1 ) . زمزمة الكاهن : رنّة صوته عند قراءة الأوراد على نحو ما تفعله الفرس عند شرب الماء من صوت مصيصة .
( 2 ) . خنق المجنون : كناية عن بحّة صوته . وتعالجه : تعاطيه اموراً غير منتظمة كناية عن هذيه .
( 3 ) . إشارة إلى ما كان يفعل الساحر بأن يعقد خيطاً ثم ينفث فيه ، أي ينفخ ما يدمدمه من أوراد .
( 4 ) . قال السهيلي : العذق بفتح العين النخلة . استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوي ، وطاب فرعها إذا اجني أي اقتطفثمرها . ( الروض الأنف : ج 2 ص 21 ) .