المتوخّاة من ذلك ؟ وهل هناك من يعمل به ؟ أو أنّه مذخور ليوم آخر ، كالطعام يدَّخر لأيّام الجدب أو المال يكنز ليوم الحاجة والافتقار ؟ ! وأخيراً ، فما الَّذي دعا هؤلاء إلى تسمية ذلك القرآن المذخور - فرضاً - تأويلًا ووجوداً عينيّاً لهذا القرآن الحاضر ؟ وهل يصحّ - إذا كان للشيء وجودان ، وجود مبذول ووجود محفوظ - أن يطلق على وجوده الآخر عنوان التأويل لهذا الوجود ؟ !
إن هذا إلّاكلام منبعث عن ذوق عرفاني ، بعيد عن مجالات الجدل والاستدلال ، نعم ، سوى استحسان عقلانيّ مجرَّد !
هل يعلم التأويل إلّااللَّه ؟
هنا سؤال ذو جانبين ، أحدهما عامّ : هل يستطيع أحد أن يقف على تأويل المتشابهات ؟
بل وعلى تأويل آي القرآن كلِّه ؟ والثاني خاصّ : ماذا يستفاد من الآية
« وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
« 1 » بالذات ؟ هل الواو للتشريك أو الاستئناف ؟
وللإجابة على الجانب الأوّل للسؤال نقول : لا شكَّ أنّ القرآن كما هو مشتمل على آيات محكمات مشتمل على آيات متشابهات . ولا محالة يقصده أهل الأهواء والأطماع الفاسدة ، سعياً وراء المتشابهات ابتغاء تأويلها وانحرافها إلى ما يلتئم وأهدافهم الباطلة ، وقد جاء التصريح بذلك في نفس الآية :
« فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ »
فلولا وجود علماء ربّانيين في كلّ عصر ومصر ينفون عنه تأويل المبطلين - كما في الحديث الشريف « 2 » - لأصبح القرآن معرضاً خصباً للشغب والفساد في الدين .
فيجب - بقاعدة اللطف - وجود علماء عارفين بتأويل المتشابهات على وجهها الصحيح ليقفوا سدّاً منيعاً في وجه أهل الزيغ والباطل دفاعاً عن الدين وعن تشويه آي الذكر
هامش
( 1 ) آل عمران : 7 .
( 2 ) راجع سفينة البحار : ج 1 ص 55 .