مقبولًا لدى العقلاء . فإذا كانت المصلحة تستدعي نسخ تشريع سابق بتشريع لاحق فعلى المكلّفين أن يتنبّهوا هم على هذا الاحتمال في التشريع ، ولا سيَّما إذا كان التشريع في بدء حركة إصلاحية آخذة في التدرّج نحو الكمال .
وهكذا كان في القرآن ناسخ ومنسوخ ، وعامّ وخاصّ ، وإطلاق وتقييد ، ومحكم ومتشابه ، وليس لأحد التسرّع إلى الأخذ بآية حتّى يعرف نوعيَّتها ، كما ورد التنبيه على ذلك في أحاديث مستفيضة عن أئمّة الدين . قال علي عليه السلام لقاضٍ مرَّ عليه : هل تعرف الناسخ من المنسوخ ؟ فقال القاضي : لا . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إذاً هلكت وأهلكت « 1 » .
الشبهة الثالثة : إنَّ الالتزام بوجودآيات ناسخة وآيات منسوخة في القرآن يستدعي وجود تنافٍ بين آياته الكريمة ، الأمر الَّذي يناقضه قوله تعالى :
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً »
« 2 » . وبهذا الاستدلال تمسَّك سيّدنا الأستاذ قدس سره في نكران وجود هكذا نسخ في القرآن الكريم « 3 » .
الجواب : إنَّ الاختلاف الَّذي تنفيه الآية الكريمة هو ما إذا كان حقيقيّاً في ظرف الواقع ، أمّا إذا كان شكليّاً وفي ظاهر الأمر - كما بين الناسخ والمنسوخ - فلا تناقضه الآية إطلاقاً .
مثلًا يشترط في الاختلاف الحقيقي ( التناقض ) أمور ثمانية « 4 » منها وحدة الزمان ووحدة الملاك والشرط ، وإذا تخلَّف أحدها فلا تنافي ولا اختلاف ، كما في الناسخ ، ظرفه متأخّر ، وملاكه مصلحة أخرى ، تبدَّلت عن مصلحة سابقة كانت مستدعية لذلك الحكم المنسوخ .
إذاً فالتنافي بين الناسخ والمنسوخ بدويّ ظاهريّ ، أمّا بعد التعمّق وملاحظة فترتَي نزولهما والمناسبات المستدعية لنزول الأولى ثمَّ الثانية فإنَّ هذا التنافي والاختلاف يرتفع نهائياً .
هامش
( 1 ) الإتقان : ج 2 ص 20 ، المناهل : ج 2 ص 70 ، بحارالأنوار : ج 92 ص 95 .
( 2 ) النساء : 82 .
( 3 ) راجع البيان : ص 306 .
( 4 ) راجع المنطق للعلّامة المظفر : ج 2 ص 42 .