النسخ المتدرّج « 1 »
وهو نوع آخر من النسخ ، لم يُنسخ الحكم فيه صريحاً وفي بداية الأمر ، وإنّما عُرض للنسخ بتمهيد أسبابه المؤاتية نسخاً تدريجيّاً . وذلك فيما إذا دعت المصلحة الإقرار على شريعة كانت سائدة على الحياة العامّة ، بحيث لا يمكن قلع جذورها بسهولة ، إلّابتمهيد مقدّمات هي تُوهن من شأنها وتُزعزع من شأوتها ، لتنهار بنفسها نهائيّاً وفي نهاية المطاف ، نظير التدّرج في التشريع في مسألة محاربة الخمر وغيرها .
وهذا في مثل تشريع جواز ضرب النساء عند النشوز :
« وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ . . . » .
« 2 »
هذا إقرار لتشريع جاهليّ سابق ، كان الرجال يتحكّمون في أمر النساء ومن غير مبالاة .
فجاء الإسلام ليحدّ من تلك السنّة الجاهلة ، بتضعيفها أوّلًا شيئاً فشيئاً ، ثُمَّ هدمها رأساً وبقلع جذورها من الأساس .
كان أبناء الجاهلية يرون في ضرب النساء وإيلامهنّ مندوحة تأديبهنّ . وكأنّ ذلك من حقّ القوامة عليهنّ فيما حسبوا . وهي فكرة قديمة كانت سائدة ومتمكّنة في الأعماق ، وحتى الآن في أوساط قَبَليّة ، بل وفي كثير من أهل المدن الراقية ، يرى الرجال من حقّهم الشرعي أن يؤدّبوا نساءهم ولو بالضرب والإيلام ، ولاحرج . !
فكان في قلع جذور مثل تلك العادة الراسخة صعوبة وبحاجة إلى مرونة في العمل المستمرّ . الأمر الذي قام به الإسلام ضمن مكافحته لكثير من عادات جاهليّة كانت ساطية .
فقد أقرّ شريعة ضرب النساء لا ليثبتها ، بل ليمهّد السبيل إلى رفعها وقمعها . وقد نجح بالفعل - إذا ما لاحظنا سيرته الكريمة وسيرة أصحابه المرضيّين ومن تبعهم بإحسان من المؤمنين في طول التأريخ .
ذلك أنّه لمّا نزلت الآية هرعت جماعات من المسلمين إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يستشفّون
هامش
( 1 ) تنبّهنا له أخيراً ضمن تحقيقنا عن شؤون المرأة في الإسلام .
( 2 ) النساء 4 : 34 .