أخطر جانب من حياة المسلمين وهو كتابهم المعجز الخالد ، فيقوم في وجه المعاندين سدّاً منيعاً ؛ ومدافعاً عن كتاب اللَّه المجيد الَّذي
« لا رَيْبَ فِيهِ »
« 1 » و
« لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ
يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ »
« 2 »
.
وليكن بحثنا الحاضر مقتصراً على مسألة « النسخ في القرآن » بصنوفه وشرائطه ، وليس بحثاً عن مطلق النسخ في الشَّريعة ، الَّذي هو بحث عام أصولي ، خارج - بعض الشيء - عن صبغة البحث القرآني الذي هو موضوع كتابنا هذا ، ومن اللَّه التوفيق .
التعريف بالنسخ
جاءت تعاريف العلماء للنسخ مختلفة وفاءً وقصوراً لهذه الظاهرة الدينية ، غير أنَّها جميعاً تشير إلى حقيقة واحدة نلخّصها فيما يلي :
« هو رفع تشريع سابق - كان يقتضي الدوام حسب ظاهره - بتشريع لاحق ، بحيث لا يمكن اجتماعهما معاً ، إمّا ذاتاً إذا كان التنافي بينهما بيِّناً ، أو بدليل خاصّ من إجماع أو نصّ صريح » .
إذاً فرفع الحكم عن بعض أفراد الموضوع العامّ ليس نسخاً - في الاصطلاح - إذ لم يرتفع التشريع السابق نهائياً ، وإنَّما اختصّ بسائر الأفراد ، ومن ثمَّ فهو تخصيص في العامّ ، أو تقييد في الحكم المطلق .
وكذلك إذا كان الحكم محدوداً صريحاً من أوَّل الأمر فارتفاعه بانتهاء أمده لا يكون نسخاً في الاصطلاح ، وإنَّما النسخ رفع حكم يكون بطبعه ظاهراً في البقاء والاستمرار لولا مجيء الناسخ ببيان جديد .
وهكذا إذا ارتفع تكليف عند مصادفة حرج أو اضطرار أو ضرر شخصيّ أو لمصلحة وقتية - على ما يفصِّلها الفقهاء - لا يكون من النسخ في شيء ، إذ جميع ذلك لم يكن من
هامش
( 1 ) وردت في عشر مواضع من القرآن .
( 2 ) فصّلت : 42 .