الناسخ والمنسوخ في القرآن
النسخ والإصلاحات التشريعية
من طبيعة الحركة الإصلاحية الآخذة إلى التقدّم بوجه عامّ أن يتوارد على تشريعاتها نسخ متتابع حسب تدرّجها التصاعدي نحو قمَّة الكمال . تلك طبيعة الحركة الإصلاحية محتّمة ، ولا سيَّما إذا كانت الامَّة الَّتي انبعثت فيها هذه النهضة التقدّمية امَّة متوغّلة في الضلال وبعيدة عن معالم الحضارة إلى حدّ كبير ، حيث الانتشال بها من واقعها السحيق والانسجام مع سجيَّتها المتوحِّشة ، لممّا يبدو متعذّراً ويتطلّب طيّ عقبات ومراحل متلاحقة .
وهكذا استدعت التشريعات الإسلامية نسخاً متتالياً منذ أن ظهرت الدعوة في مكَّة المكرَّمة وحتّى إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة المنوَّرة ، وقد انتهت شريعة النسخ - فيما يخصّ آي الذِّكر الحكيم - بوفاته صلى الله عليه وآله حيث انقطاع الوحي .
وكانت ظاهرة النسخ أمراً لابدَّ منه في كلِّ تشريع يحاول تركيز معالمه في الأعماق ، والأخذ بيد امَّة جاهلة إلى مستوى عالٍ من الحضارة الراقية ، الأمر الَّذي لا يتناسب مع الطفرة المستحيلة ، لولا الأناة والسير التدريجي المستمرّ خطوة بعد خطوة .
ومن ثمَّ فإنَّ النسخ ضرورة واقعية تتطلّبها مصلحة الامَّة ذاتها ، ولم يكد ينكر ما لهذه الظاهرة الدينية من فائدة وعوائد تعود على الامَّة ، وأعظِم بها من حكمة إلهيَّة بالغة .
سلسلة تدوين هذا العلم
ولم يخف على العلماء ما لظاهرة النسخ من حكمة واقعية وحقيقة ثابتة لا محيص عنها ،