ثمَّ إنَّ لازم كلامه أنَّ المواضع المختلف فيها ليست من القرآن المتواتر ! !
وإن كان مراده أنَّ المتواتر موجود في هذه السبع من غير تعيين فهذا يتناقض مع قوله « إنَّ المتواتر لا يشتبه بغيره » ! ! ومن ثَمَّ فكلامه هنا مبهمٌ للغاية .
ووافقه على هذا الحمل المحدِّث البحراني ، قال : الَّذي يظهر من الأخبار هو وجوب القراءة بهذه القراءات المشهورة ، لا من حيث ما ذكروه من ثبوتها وتواترها عنه صلى الله عليه وآله ، بل من حيث الاستصلاح والتقية « 1 » .
قلت : الواجب حينئذٍ النظر في النصوص الَّتي هي عمدة الباب - وسنذكرها ضمن النصوص الضافية الآتية - وهي وردت بتعبيرين :
1 - الأمر بالقراءة على ما يقرأ الناس .
2 - الأمر بها كما تعلَّموه .
وهذا لا يعني سوى الأمر بالقراءة على ما تداوله جمهور المسلمين ، لأنَّهم المعنيّون بالناس لا خصوص القُرّاء . إذ لا وجه لهذا الاختصاص ، ولا سيَّما بعدما عرفت أنَّ القرآن شيء والقراءات شيء آخر ، والأوَّل سبيله مجرى التواتر ، والثاني هي الاجتهادات النظرية .
فلابدّ أنَّ المراد من قراءة الناس هي القراءة المتواترة المحتفظة لدى عامَّة المسلمين ، والَّتي توارثوها يداً بيد وجيلًا بعد جيل .
وبذلك أيضاً تبيَّن أنَّ المقصود من التعلّم هو التلقّي الجماهيري سواء في البيوت على يد الآباء والامّهات ، أم في الكتاتيب على يد المشايخ والمعلِّمين ، أم في سائر الأوساط العامّة الَّتي يتداول فيها القرآن على المسرح العام .
أمّا ما هي هذه القراءة التي تداولتها العامَّة وتوارثها المسلمون امَّةً بعد امَّةٍ ؟ فذكرنا أنَّها هي القراءة المتوافقة مع ثبت النصّ الحاضر حرفيّاً ، وهي الَّتي قرأ بها عاصم بن أبي النجود برواية حفص بن سليمان . وقد توافقت عليها الأُمَّة لميزات وجدوها في قراءته ، أشرنا إليها آنفاً .
هامش
( 1 ) الحدائق الناضرة : ج 8 ص 99 - 100 .