هذا من جانب ، ومن جانب آخر كان حفص هوالَّذي أشاع قراءة عاصم في البلاد ، وكان معروفاً بالضبط والإتقان ، ومن ثمَّ أقبل جمهور المسلمين إلى أخذ قراءة عاصم منه بالخصوص .
هذا فضلًا عن أنَّ حفصاً كان أعلم أصحاب عاصم بقراءته ، ومفضّلًا على زميله أبي بكر بن عيّاش في الحفظ وضبط حروف عاصم .
قال أبو عمرو الداني : حفص هو الَّذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة ، ونزل بغداد فأقرأ بها ، وجاور بمكَّة فأقرأ بها « 1 » .
قال ابن المنادي : كان الأوَّلون يعدّون حفصاً في الحفظ فوق ابن عيّاش ، ويصفونه بضبط الحروف الَّتي قرأها على عاصم « 2 » .
قال الشاطبي : وبالإِتقان كان مفضّلًا « 3 » .
أمّا أهل النقد والتمحيص فيرَون من رواية حفص عن عاصم هي الرواية الصحيحة . قال ابن معين : الرواية الصحيحة الَّتي رويت من قراءة عاصم هي رواية حفص بن سليمان « 4 » .
ومن ثمَّ فإنَّ القراءة الَّتي راجت بين المسلمين قاطبة ، هي قراءة عاصم من طريق حفص فقط .
* * * هذا فضلًا عن أنَّ إسناد حفص إلى شيخه إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام إسناد ذهبيّ عال لا نظير له في القراءات .
أوَّلًا : إنَّ عاصماً لم يقرأ القراءة التامَّة على أحد سوى شيخه أبي عبد الرحمان السلمي الرجل العظيم نبلًا ووجاهةً ، وإنَّما كان يعرض قراءته على غيره لغرض الإتقان فحسب .
قال ابن عيّاش : قال لي عاصم : ما أقرأني أحد حرفاً إلّاأبو عبد الرحمان السلمي وكان قد قرأ على علي عليه السلام ، وكنت أرجع من عنده فأعرض على زرّ ، وكان قد قرأ على عبداللَّه « 5 » .
هامش
( 1 ) الطبقات لابن الجزري : ج 1 ص 254 .
( 2 ) النشر في القراءات العشر : ج 1 ص 156 .
( 3 ) شرح الشاطبية « سراج القاري » : ص 14 .
( 4 ) النشر في القراءات العشر : ج 1 ص 156 .
( 5 ) معرفة القرّاء الكبار للذهبي : ج 1 ص 75 .