خلاصة الكلام : أنَّ الإنسان يملك في وجوده جانبين ، هو من أحدهما جسماني ومن الآخر روحاني ، فلا غرو أن يتَّصل أحياناً بعالم وراء المادَّة ، ويكون هذا الاتّصال مرتبطاً بجانبه الروحي الباطن ، وهو اتّصال خفيّ ، الأمر الَّذي يشكّل ظاهرة الوحي .
الوحي ظاهرة روحيَّة ، قد توجد في آحاد من الناس ، يمتازون بخصائص روحيَّة تؤهّلهم للاتّصال بالملأ الأعلى ، إمّا مكاشفة في باطن النفس أو قرعاً على مسامع ، يحسّ به الموحى إليه إحساساً مفاجئاً يأتيه من خارج وجوده ، وليس منبعثاً من داخل الضمير ، ومن ثمَّ لا يكون الوحي ظاهرة فكرية تقوم بها نفوس العباقرة - كما يزعمه ناكرو الوحي - كلّا بل إلقاء روحانيّ صادر من محلّ أرفع إلى مهبط صالح أمين .
قال تعالى :
« أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ »
« 1 »
.
نعم ، شيء واحد لا نستطيع إدراكه ، وإن كنّا نعتبره واقعاً حقّاً ، ونؤمن به إيماناً صادقاً ، وهو : كيف يقع هذا الاتّصال الروحي ؟ هذا شيء يخفى علينا إذا كنّا نحاول إدراكه بأحاسيسنا المادّية أو نريد التعبير عنه بمقاييسنا اللفظية الكلامية ، إنَّها ألفاظ وضعت لمفاهيم لا تعدو الحسّ أو لا تكاد . وكلّ ما باستطاعتنا إنَّما هو التعبير عنه على نحو التشبيه والاستعارة أو المجاز والكناية لا أكثر ، فهو ممّا يدرك ولا يوصف ، فالوحي ظاهرة روحية يدركها من يصلح لها ، ولا يستطيع غيره أن يصفها وصفاً بالكنه ، ما عدا التعبير عنها بالآثار والعوارض هذا فحسب .
الوحي عند فلاسفة الغرب
أشرنا فيما سبق أنَّ فلاسفة أوروبا - بعد أن عادوا إلى الاعتراف بوجود شخصيَّة باطنة للإنسان تسمّى بالروح ، وعلموا أنَّها هي الَّتي كوَّنت جسمه في الرحم ، وهي الَّتي تحرِّك جميع عضلاته وأعضائه الَّتي ليست تحت إرادته كالكبد والقلب والمعدة وغيرها ، فهو
هامش
( 1 ) يونس : 2 .