النبي صلى الله عليه وآله تعوَّذ بهما من سِحر اليهود ، وقال : ما تعوَّذ متعوذٍ بأفضل من
« قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . . . »
و
« قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . . . »
« 1 »
.
وقد صحَّ الإسناد إلى ابن مسعود أنَّه كان يحكّ المعوَّذتين من المصاحف ، ويقول : لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه ، إنَّهما ليستا من كتاب اللَّه ، إنَّما أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يتعوَّذ بهما . وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما في صلاته « 2 » .
هذا ، وقد أنكر بعضهم صحَّة هذه النسبة إلى ابن مسعود ، كالرازي وابن حزم - فيما نقل عنهما ابن حجر - وردَّ عليهما بصحّة إسناد الرواية ، قال : والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل ، بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل « 3 » .
وأخذ الباقلّاني في بيان هذا التأويل ، قال : لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن ، وإنَّما أنكر إثباتهما في المصحف ، فإنَّه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئاً إلّاإن كان النبي صلى الله عليه وآله أذن في كتابته فيه ، وكأنَّه لم يبلغه الإذن في ذلك . فهذا تأويل منه وليس جحداً لكونهما قرآناً .
وقال ابن حجر : وهذا تأويل حسن ، إلّاأنَّ الرواية الصحيحة الصريحة الَّتي ذكرتها تدفع ذلك ، حيث جاء فيها : ويقول : أنَّهما ليستا من كتاب اللَّه . نعم ، يمكن حمل لفظ « كتاب اللَّه » على المصحف ، فيتمشّى التأويل المذكور « 4 » .
قلت : هذا التأويل الأخير أيضاً لا يلتئم مع قوله : لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه « 5 » .
ملحوظة : قد يزعم البعض أنَّ ما نسب إلى ابن مسعود يناقض القول بتواتر النصّ القرآني !
لكن غير خفيّ أنّ ابن مسعود لم ينكر كونهما وحياً - بالمعنى العامّ - وإنَّما أنكر كونهما
هامش
( 1 ) الدّر المنثور : ج 6 ص 416 .
( 2 ) فتح الباري لابن حجر : ج 8 ص 571 ، الدرّ المنثور : ج 6 ص 416 .
( 3 ) فتح الباري : ج 8 ص 571 .
( 4 ) المصدر السابق .
( 5 ) الدرّ المنثور : ج 6 ص 416 .