وهكذا اعترض المستشرق شفالي على قضيَّة جمع زيد للقرآن .
والَّذي يستنتجه بلاشير من شكوكه هذه : أنَّ كبار الصحابة هم الَّذين قاموا بجمع القرآن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ورتَّبوه ورتَّبوا سوَره ، الأمر الَّذي كانت وظيفة الخلافة الإسلامية أن تقوم به ولكنَّها غفلت عنه . وربَّما أدَّت هذه الغفلة إلى الطعن في القائمين بأعضادها ، ومن ثمّ أوعزت إلى شابّ حدث لا يتَّهموه أن ينسخ عن بعض مصاحف الصحابة مصحفاً يمتاز به الخليفة أيضاً ، أمّا أصل القيام بجمع القرآن فلا « 1 » .
* * * قلت ، إذا كانت شرائط إنجاز عمل - مهما كان ضخماً - متوفّرة وفي المتناول القريب فإنَّ إنجازه يتحقّق في أقرب وقت ممكن ، ولا سيَّما إذا كان العمل فوتيّاً يحاول المتصدّون إنجازه في أقرب فرصة ممكنة . وهكذا كانت قضية جمع القرآن في الصدر الأوَّل .
أمّا المصادر الأوَّلية فكانت متوفِّرة في نفس المدينة ، محفوظة على أيدي الصحابة الامناء ، وكان حَمَلة القرآن وحَفَظته موجودين لا يفارقون مسجد سيِّدهم الَّذي ارتحل من بينهم في عهد قريب ، ليلَ نهار ، والاتِّصال بهم سهل التناول . لا سيَّما وسوَر القرآن كانت مكتملة ، وبقي جمعها في مكان ، لا أكثر . إذاً فقد كانت الأسباب مؤاتية والظُّروف مساعدة .
أضف إليها أنَّ السلطة - وبيدها القدرة - إذا حاولت إنجاز هكذا عمل متهيئ الأسباب ، فإنَّه لا يستدعي طولًا في مدَّة العمل بعد توفّر هذه الشروط .
هذا وزيد لم يعمل سوى جمع القرآن في مكان وحفظه عن الضياع والانبثاث ولم يعمل فيه نظماً ولا ترتيباً ولا أيّ عمل فكريّ آخر ، فإنَّ هكذا عمل بسيط لا يتطلَّب جهوداً طويلة ولا فراغاً واسعاً .
نعم ، كانت الغاية من ذلك هي مراعاة المصلحة العامَّة ( حفظ القرآن عن الضياع ) الأمر الَّذي تحقَّق بإيداع الصُحف المشتملة على تمام القرآن في مكان أمين . ولم يكن يومذاك احتياج إلى مراجعة تلك الصُحف بعد أن كان حَفَظة القرآن وحاملوه منتشرين بين أظهر الناس بكثرة ، والناس يومذاك حافظون لِجُلّ آيات ترتبط والحياة المعيشية والسياسية وما
هامش
( 1 ) مترجم وملخّص عن مجلة « خواندنيها » الفارسية في سنتها الثامنة العدد : 44 بتاريخ 13 بهمن 1326 ه ش - طهران .