على الرشيد - وهو قاض - وهارون إذ ذاك يطيّر الحمام ، فقال : هل تحفظ في هذا شيئا ؟
فقال : حدّثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : « إن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يطيّر الحمام » . فقال هارون : اخرج عنّي . ثمّ قال : لولا أنّه رجل من قريش لعزلته .
قال ابن الجوزيّ : هذا الحديث من عمل أبي البختريّ ، واسمه وهب بن وهب . كان من كبار الوضّاعين « 1 » .
وروى حديث القباء الأسود ، قال : لمّا قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في قباء أسود ومنطقة . فقال أبو البختريّ : « حدّثنا جعفر بن محمّد عن أبيه قال :
نزل جبرئيل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليه قباء أسود ومنطقة ، محتجزا فيها بخنجر » .
قال يحيى بن معين : وقفت على حلقة أبي البختريّ وهو يحدّث بهذا الحديث ، مسندا عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر . فقلت له : كذبت يا عدوّ اللّه ، على رسول اللّه . قال :
فأخذني الشُرَط . فقلت : هذا يزعم أنّ رسول ربّ العالمين نزل على النبيّ وعليه قباء .
فقالوا لي : هذا واللّه قاصّ كذّاب . وأفرجوا عنّي « 2 » .
والأحاديث في أولاد العبّاس وملكهم ، ولا سيّما الزيّ العبّاسيّ الذي تزيّا به جبرائيل ، كثيرة ، أوردها ابن الجوزيّ في موضوعاته وفنّدها خير تفنيد فراجع « 3 » .
* * * 5 . الوضع نزولًا مع سياسة الطغاة . كان معاوية أوّل من وضع سياسته على وضع الأحاديث وقلبها ، تمشيةً مع أهدافه المرتذلة ، في التغلّب على واقع الإسلام الرفيع .
قال الأستاذ أبو ريّة : لا بدّ لنا أن نكشف عن ناحية خطيرة من نواحي الوضع في الحديث ، كان لها أثر بعيد في الحياة الإسلاميّة ، ولا يزال هذا الأثر يعمل عمله في الأفكار العفنة والعقول المتخلّفة والنفوس المتعصّبة . ذلك أنّ السياسة قد دخلت في هذا الأمر ، وأثّرت فيه تأثيرا بالغا ، فسخّرته ليؤيّدها في حكمها ، وجعلته من أقوى الدعائم لإقامة
هامش
( 1 ) - . الموضوعات ، ج 3 ، ص 12 .
( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 47 - 48 .
( 3 ) - . المصدر نفسه ، ج 2 ، ص 30 - 37 .