أناس ضعاف العقول ، ممّن تساهلوا في أمر الدين ، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا ، سامحهم اللّه .
أخرج ابن الجوزيّ بإسناده إلى محمود بن غيلان قال : سمعت مؤمّلًا يقول : حدّثني شيخ بفضائل سور القرآن الذي يُروَى عن أُبيّ بن كعب . فقلت للشيخ : مَن حدّثك ؟ قال :
حدّثني رجل بالمدائن وهو حيّ ، فصرت إليه . فقال : حدّثني شيخ بواسط وهو حيّ ، فصرت إليه . فقال : حدّثني شيخ بالبصرة ، فصرت إليه . فقال : حدّثني شيخ بعبادان ، فصرت إليه . فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوّفة ومعهم شيخ . فقال : هذا الشيخ حدّثني . فقلت : يا شيخ مَن حدّثك ؟ فقال : لم يحدّثني أحد ، ولكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن ، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم إلى القرآن « 1 » .
ومن ثمّ قال يحيى بن سعيد القطّان : لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث .
وأوّلَه مسلم بأنّه يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمّدون الكذب « 2 » .
قال القرطبيّ في التذكار لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة والأخبار الباطلة في فضل سور القرآن ، وغير ذلك من فضائل الأعمال ، وقد ارتكبها جماعة كثيرة وضعوا الحديث حسبة - كما زعموا - يدعون الناس إلى فضائل الأعمال ، كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزيّ ومحمّد بن عكاشة الكرمانيّ ، وأحمد بن عبد اللّه الجويباريّ ، وغيرهم . قيل لأبي عصمة : من أين لك عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضل سور القرآن سورةً سورةً ؟ فقال : إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمّد بن إسحاق ، فوضعت هذا الحديث حسبةً !
وقال : قد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدّثين : أنّ رجلًا من الزهّاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره . فقيل له : لِمَ فعلت هذا ؟ فقال : رأيت الناس زهدوا في
هامش
( 1 ) - . الموضوعات ، ج 1 ، ص 241 ؛ اللئالئ المصنوعة ، ج 1 ، ص 227 - 228 .
( 2 ) - . صحيح مسلم المقدّمة : الحديث ، ج 1 ، ص 13 - 14 ، رقم 40 .