المرتبة الأُولى ، إيمان العوامّ ، وهو إيمان التقليد المحض .
والثانية ، إيمان المتكلّمين ، وهو ممزوج بنوع استدلال ، ودرجته قريبة من درجة إيمان العوامّ .
والثالثة ، إيمان العارفين ، وهو المشاهَد بنور اليقين . . « 1 »
وقد كانت الصوفيّة خصوم الفقهاء في الدور الأوّل ، وأصبحوا خصوم المتكلّمين وأهل النظر في دور متأخّر . . فقد نابذوا هؤلاء وهؤلاء جميعا . .
وكان من جرّاء هذه المنابذة وتلك أن أخذت الصوفيّة في أدوار متأخّرة في الهبوط إلى مرحلة الابتذال والأخذ في الشطحات - على حدّ تعبيرهم - أخذا بلا هوادة ، وإن شئت قلت : تعابير هي أشبه بالخيال من مشاهدة الحال . .
نسب إلى أبي يزيد البسطاميّ ( توفّي سنة 261 ) أنّه قال : « رفعني مرّة فأقامني بين يديه وقال لي : يا أبا يزيد ، إنّ خلقي يحبّون أن يروك ! فقلت : زيّنّي بوحدانيّتك ، وألبسني أنانيّتك ، وارفعني إلى أحديّتك ، حتّى إذا رآني خلقك قالوا : رأيناك ، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك . . » .
وحكي عنه أيضا أنّه قال : « أوّل ما صرتُ إلى وحدانيّته فصرتُ طيرا جسمُه من الأحديّة وجناحاه من الديموميّة ، فلم أزل أطير في هواء الكيفيّة عشر سنين حتّى صرتُ إلى هواء مثل ذلك مائة ألف ألف مرّة ، فلم أزل أطير إلى أن صرتُ في ميدان الأزليّة ، فرأيت فيها شجرة الأحديّة - ثمّ وصف أرضها وفرعها وأغصانها وثمارها - ثمّ قال : فنظرتُ فعلمتُ أنّ هذا كلّه خدعة » . « 2 »
ولابن عربيّ :
عقد الخلائق في الإله عقائدا * وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
فالتصوّف كان وحده من بين معترك المذاهب تسامحا صرفا وسلاما في كلّ ما مرّ من
هامش
( 1 ) - . إحياء العلوم ، ج 3 ، ص 15 .
( 2 ) - . راجع : تذكرة الأولياء للنيشابوريّ ، ج 1 ، ص 160 - 164 حديث معراجه .