يتلقّى . . وقد وجّهوا هممهم بنوع خاصّ إلى تحديد الغاية القصوى التي هي تحقّق النفس بمعرفة الحقّ تعالى عندما يقطع العبد كلّ علائقه بالبدن . . ومن هنا جاء وصفهم بالصوفيّة ، كما قال صاحب اللمع : « فلمّا أضفتهم إلى ظاهر اللبسة - وكان يكثر في الزهّاد والمتقشّفين اعتياد لبس الصوف - فكان ذلك اسما مجملًا مخبرا عن جميع العلوم والأعمال والأخلاق والأحوال الشريفة المحمودة . ألا ترى أنّ اللّه تعالى ذكر طائفة من خواصّ أصحاب عيسى عليه السلام فنسبهم إلى ظاهر اللبسة فقال عز وجل : « و
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ »
وكانوا قوما يلبسون البياض ، فنسبهم اللّه تعالى إلى ذلك ، ولم ينسبهم إلى نوع من العلوم والأعمال والأحوال التي كانوا بها متوسّمين . فكذلك الصوفيّة نسبوا إلى ظاهر اللباس ولم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها متوسّمون . لأنّ لبس الصوف كان دأب الأنبياء عليهم السلام والصدّيقين وشعار المساكين المتنسّكين . . . » « 1 » .
كما وقد افترضوا « الطريقة » إلى جنب « الشريعة » . . لتكون الشريعة عبارة عن الأعمال الظاهرة التي تجري على الجوارح والأعضاء الجسميّة ، وهي العبادات بأنواعها ، والمعاملات بأقسامها . . وقد سمّي علم الشريعة بعلم الفقه اختصاصا بالفقهاء وأهل الفتيا ومن تبعهم من الأتباع والمقلّدين . . كما هو معلوم من مذاهب معروفة . .
أمّا علم الطريقة فهو علم يدعو إلى الأعمال الباطنة وارتياضات نفسانيّة ، سمّيت بأعمال القلوب والجوانح . وسمّى هذا العلم علم التصوّف وسمّى المتصوّفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن وسمّوا من عداهم أهل ظواهر ورسوم . .
ويفترق أهل العرفان عن أهل الكلام ، باستنادهم في معارفهم ( علم الحقائق ) إلى مشاهدات نفسيّة هي واردات قلبيّة أو خواطر ملكوتيّة فيما حسبوا ، اقتناعا بهذه الخواطر والسوانح ، بدلًا من الاستدلال وإقامة البرهان ، والتي اقتحمها علماء الكلام . .
قال الغزّاليّ في الإحياء : إنّ للإيمان والمعرفة ثلاث مراتب :
هامش
( 1 ) - . دائرة المعارف الإسلاميّة ، ج 5 تصوّف ، ص 277 - 278 .