« أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ »
« 1 » ، أو نظر الانتظار ، كما في قوله تعالى :
« ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً »
« 2 » ، أو نظر الرؤية . أمّا الاوّل فلا يجوز ؛ لأنّ الآخرة ليست بدار اعتبار .
وكذا الثاني ؛ لأنّ النظر إذا ذكر مع الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه ؛ ولأنّ نظر الانتظار لا يقرن ب - « إلى » ، كما في قوله تعالى :
« فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ »
« 3 » . قال : فإن قال قائل : لِمَ لا يجوز أن يراد « إلى ثواب ربّها ناظرة » ؟ قيل له : ثواب اللّه غيره ، وقد قال تعالى :
« إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
، ولم يقل : إلى غيره ناظرة ، والقرآن على ظاهره ، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلّا لحجّةٍ « 4 » .
* * * أمّا أهل العدل والتنزيه فكانت نظرتهم في توحيد اللّه نظرة في غاية السموّ والرفعة ، فطبّقوا قوله تعالى :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
« 5 » أبدع تطبيق ، وفصّلوه خير تفصيل ، وحاربوا الأنظار الوضعيّة التي تثبت أنّ للّه تعالى جسما ، وأنّ له وجها ويَدَين وعينَين ، وله جهة فوقيّة ، وعرش يستوي عليه جالسا ، وأنّه يرى بالأبصار ، إلى آخر ما قالته الأشاعرة وأذنابهم من المشبّهة والمجسّمة . فأتى أهل العدل وسموا على هذه الأنظار ، وفهموا من روح القرآن : تجريد اللّه عن المادّيّة ، فساروا في تفسيرها تفسيرا دقيقا واسعا ، وأوّلوا ما يخالف هذا المبدأ ، وسلسلوا عقائدهم تسلسلًا منطقيّا .
وقد فصّل الكلام - في نفي رؤيته تعالى - القاضي عبد الجبّار في كتابه شرح الأصول الخمسة « 6 » وأوفى البحث حقّه . وهكذا الخواجا نصير الدين الطوسيّ في مختصر العقائد التجريد « 7 » .
هامش
( 1 ) - . الغاشية 17 : 88 .
( 2 ) - . يس 49 : 36 .
( 3 ) - . النمل 35 : 27 .
( 4 ) - . راجع : كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعريّ ، ص 10 - 19 . واللمع له أيضا ص 61 - 68 .
( 5 ) - . الشورى 11 : 42 .
( 6 ) - . شرح الأصول الخمسة لعبد الجبّار ، باب نفي الرؤية ، ص 232 - 277 .
( 7 ) - . شرح تجريد العقائد للعلّامة الحسن بن المطهّر الحلّيّ ، ص 163 - 165 ط بمبأي .