قال صاحب المنار في وجل من أصحابه في الخروج من مذهب أسلافه : وأمّا رؤية الربّ تعالى فربّما قيل بادئ الرأي : إنّ آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات ، كقوله تعالى :
« لَنْ تَرانِي »
، وقوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
على الإثبات ، فإنّ استعمال النظر بمعنى الانتظار ، كثير في القرآن وكلام العرب ، كقوله :
« ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً »
« 1 » ،
« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ »
« 2 » ،
« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ »
« 3 » .
وثبت أنّه استعمل بهذا المعنى متعدّيا ب - « إلى » ؛ ولذلك جعل بعضهم وجه الدلالة فيه على المعنى الآخر - وهو توجيه الباصرة ، إلى ما تراد رؤيته - أنّه أسند إلى الوجوه ، وليس فيها ما يصحّح إسناد النظر إليها إلّا العيون الباصرة ، وهو في الدقّة كما ترى ( أي ليس ذلك ظاهر الآية ظهورا عرفيّا ) « 4 » . ولصاحب المنار هنا في توجيه وتأويل كلام أهل السنّة كلام طويل ، لا يستغني الباحث عن مراجعتها .
ولنا أيضا بحث مستوف بمسألة الرؤية عرضناه في بحث المتشابهات « 5 » .
اعتماده على التأويل والتمثيل
وهكذا نجد الزمخشريّ يعتمد في تفسيره على ضروب من التأويل والمجاز والتمثيل ، فيحمل ما ظاهره التنافي مع العقل أو الأصول المتلقّاة من الشرع ، على ضرب من التمثيل والاستعارة والمجاز ، الأمر الذي أثار نعرات خصومه أهل السنّة والجماعة ، ناقمين عليه تصريفه لظواهر آيات القرآن الحكيم .
مثلًا نجده عند تفسير الآية ( 72 ) من سورة الأحزاب ، يقول :
قوله :
« إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ »
وهو يريد بالأمانة الطاعة ، فعظّم أمرها وفخّم شأنها ، وفيه وجهان :
هامش
( 1 ) - . يس 49 : 36 .
( 2 ) - . الأعراف 53 : 7 .
( 3 ) - . البقرة 210 : 2 .
( 4 ) - . المنار ، ج 9 ، ص 134 .
( 5 ) - . راجع : التمهيد ، ج 3 ، ص 77 - 96 .