مذهب الاعتزال ، كما رموه بذلك ، بل من زاوية فهم إنسان حرٍّ عاقلٍ أريبٍ ، ويحلّل الآيات تحليلًا أدبيّا في ذوق عربيّ أصيل ، الأمر الذي يتحاشاه أتباع مذهب الاشعريّ .
مثلًا عندما تعرّض لتفسير قوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 1 » يقول :
والوجه عبارة عن الجملة . والناضرة : من نضرة النعيم . إلى ربّها ناظرة : تنظر إلى ربّها خاصّة لا تنظر إلى غيره . وهذا معنى تقديم المفعول ، ألا ترى إلى قوله :
« إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ »
« 2 » ،
« إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ »
« 3 » ،
« إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ »
« 4 » ،
« وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ »
« 5 » ،
« وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
« 6 » ،
« عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ »
« 7 » . كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنّهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ، ولا تدخل تحت العدد ، في محشر يجتمع فيه الخلائق كلّهم ، فإنّ المؤمنين نظّارة ذلك اليوم ؛ لأنّهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فاختصاصه بنظرهم إليه ، لو كان منظورا إليه ، محال ؛ فوجب حمله على معنى يصحّ معه الاختصاص . والذي يصحّ معه ، أن يكون من قول الناس : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ، تريد معنى التوقّع والرجاء . ومنه قوله القائل :
وإذا نظرتُ إليك من مَلِكٍ * والبحر دونك زدتني نعما
وسمعت سرويّة مستجدية بمكّة وقت الظهر ، حين يغلق الناس أبوابهم ، ويأوون إلى مقائلهم ، تقول : « عُيينتي نُويظرة إلى اللّه وإليكم » . والمعنى : أنّهم لا يتوقّعون النعمة والكرامة إلّا من ربّهم ، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلّا إيّاه « 8 » .
انظر إلى هذا التحقيق الأنيق الذي سمحت به قريحة مثل الزمخشريّ العلّامة الأديب الأريب ، ولكنّ أصحاب الرأي المعوجّ لم يرقهم هذا البيان الكافي الشافي ، فجعلوا يهرولون حوله في ضجيج وعويل ، زاعمين أنّه خالف رأي أهل السنّة ، وأوّل القرآن وفق
هامش
( 1 ) - . القيامة 22 : 75 - 23 .
( 2 ) - . القيامة 12 : 75 .
( 3 ) - . القيامة 30 : 75 .
( 4 ) - . الشورى 53 : 42 .
( 5 ) - . آل عمران 28 : 3 ؛ النور ( 24 ) : 42 ؛ فاطر ( 35 ) : 18 .
( 6 ) - . البقرة 245 : 2 .
( 7 ) - . الشورى 10 : 42 .
( 8 ) - . الكشّاف ، ج 4 ، ص 662 .