تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
مثلًا ، في قوله تعالى :
« خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ »
« 1 » يقول :
« خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ »
أي شهد عليها بأنّها لا تقبل الحقّ . يقول القائل : أراك تختم على كلّ ما يقول فلان ، أي تشهد به وتصدّقه ، وذلك استعارة . وقيل : « ختم » بمعنى طبع فيها أثرا للذنوب ، كالسمة والعلامة ، لتعرفها الملائكة فيتبرّأوا منهم ، ولا يوالوهم ، ولا يستغفروا لهم . وقيل : المعنى أنّه ذمّهم بأنّها كالمختوم عليها في أنّها لا يدخلها الإيمان ، ولا يخرج عنها الكفر . قال الشاعر :
لقد أسمعت لو ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي « 2 »
وعند قوله :
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ »
« 3 » يقول : والمعنى أنّهم صمّ عن الحقّ لا يعرفونه ؛ لأنّهم كانوا يسمعون بآذانهم . وبكم عن الحقّ لا ينطقون . مع أنّ ألسنتهم صحيحة ، عمي لا يعرفون الحقّ وأعينهم صحيحة ، كما قال :
« وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ »
« 4 » . قال : وهذا يدلّ على أنّ قوله :
« خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ »
و
« طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها »
« 5 » ليس هو على وجه الحيلولة بينهم وبين الإيمان ؛ لأنّه وصفهم بالصمّ والبكم والعمى مع صحّة حواسّهم ، وإنّما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر واستثقالهم للحقّ والإيمان ، كأنّهم ما سمعوه ولا رأوه ، فلذلك قال :
« طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ »
« 6 » و
« أَضَلَّهُمُ »
« 7 » و « أصمهم
وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ »
« 8 » و
« جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً »
« 9 » و
« فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ »
« 10 » . وكان ذلك إخبارا عمّا أحدثوه عند امتحان اللّه إيّاهم ، وأمره لهم بالطاعة والإيمان ؛ لإنّه ما فعل بهم ما منعهم من الإيمان . وقد يقول الرجل : حبّ المال قد أعمى فلانا وأصمّه ، ولا يريد بذلك نفي حاسّته ،
هامش
( 1 ) - . البقرة 7 : 2 . ( 2 ) - . التبيان ، ج 1 ، ص 64 . ( 3 ) - . البقرة 18 : 2 . ( 4 ) - . الأعراف 198 : 7 . ( 5 ) - . النساء 155 : 4 . ( 6 ) - . التوبة 93 : 9 ؛ النحل ( 16 ) : 108 ؛ محمّد ( 47 ) : 16 . ( 7 ) - . طه 85 : 20 . ( 8 ) - . محمّد 23 : 47 . ( 9 ) - . الأنعام 25 : 6 ؛ الإسراء ( 17 ) : 46 ؛ الكهف ( 18 ) : 57 . ( 10 ) . الصفّ 5 : 61 .