بعضه على بعض « 1 » - كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - حيث ما جاء منه مبهما في موضع منه ، قد جاء مفصّلًا ومبيّنا في موضع آخر ، بل وفي القرآن تبيان لكلّ شيء جاء مبهما في الشريعة ، فلأن يكون تبيانا لنفسه أَولى . ومن ذلك جاء قولهم : « القرآن يفسّر بعضه بعضا » كلام معروف .
وتفسير القرآن بالقرآن على نمطين : منه ما أُبهم في موضع وبُيّن في موضع آخر - فكان أحدهما متناسبا مع الآخر تناسبا معنويّا أو لفظيّا - كما في قوله تعالى :
« حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ »
« 2 » وقد جاء تبيين هذه الليلة المباركة بليلة القدر في سورة القدر :
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ »
« 3 » وقد بيّن في سورة البقرة أنّها واقعة في شهر رمضان :
« شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ »
« 4 » .
فقد تبيّن من مجموع ذلك : أنّ القرآن نزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان .
ومن ذلك أيضا قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ »
« 5 » ما هذه الحيلولة وكيف هي ، وهو تهديد لاذع بأولئك الزائفين المتمرّدين عن الشريعة والدين .
وهذا الإبهام يرتفع عند مراجعة قوله تعالى :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »
« 6 » . فعرفنا أنّها نسيان الذات ، فالذي يجعل من شريعة اللّه وراء ظهره ، إنّما حرّم نفسه ونسي حظّه ، فقد تاه في غياهب ضلالة الجهل والعَمى .
وهكذا قوله تعالى :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ »
« 7 » ما هو المقصود من « الأرض » هنا في هذه الآية ، وكيف يقع
هامش
( 1 ) - . نهج البلاغة ، خ 133 ، ص 192 صبحي صالح .
( 2 ) - . الدخان 1 : 44 - 3 .
( 3 ) - . القدر 1 : 97 .
( 4 ) - . البقرة 185 : 2 .
( 5 ) - . الأنفال 24 : 8 .
( 6 ) - . الحشر 19 : 59 .
( 7 ) - . الرعد 41 : 13 .