وهذا الذي ذكره سيّدنا العلّامة - هنا - تحقيق عريق بشأن طريقة فهم معاني كلامه تعالى .
قال - في مقدّمة التفسير - :
إنّ الاتّكاء والاعتماد على الأُنس والعادة في فهم معاني الآيات ، يشوّش على الفاهم سبيله إلى إدراك مقاصد القرآن ؛ إذ كلامه تعالى ناشئ من ذاته المقدّسة ، التي لا مثيل لها ولا نظير
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
« 1 » ،
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 2 » ،
« سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ »
« 3 » .
وهذا هو الذي دعا بالنابهين أن لا يقتصروا على الفهم المتعارَف لمعاني الآيات الكريمة ، وأجازوا لأنفسهم الاعتماد - لإدراك حقائق القرآن - على البحث والنظر والاجتهاد .
وذلك على وجهين : إمّا بحثا علميّا أو فلسفيّا أو غيرهما ، للوصول إلى مراده تعالى في آية من الآيات ؛ وذلك بعرض الآية على ما توصّل إليه العلم أو الفلسفة من نظريّات أو فرضيّات مقطوع بها ، وربّما المظنون منها ظنّا راجحا ، وهذه طريقة يرفضها ملامح القرآن الكريم .
وإمّا بمراجعة ذات القرآن ، واستيضاح فحوى آية من نظيرتها ، وبالتدبّر في نفس القرآن الكريم ؛ فإنّ القرآن ينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، كما قال عليّ عليه السلام .
قال تعالى :
« وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ »
« 4 » ، وحاشا القرآن أن يكون تبيانا لكلّ شيء ولا يكون تبيانا لنفسه ، وقد نزل القرآن ليكون هدًى للناس ونورا مبينا وبيّنة وفرقانا ، فكيف لا يكون هاديا للناس إلى معالمه ومرشدا لهم على دلائله ؟ ! وقد قال تعالى :
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »
« 5 » ، وأيّ جهاد أعظم من بذل الجهد في سبيل
هامش
( 1 ) - . الشورى 11 : 42 .
( 2 ) - . الأنعام 103 : 6 .
( 3 ) - . الصافّات 159 : 37 .
( 4 ) - . النحل 89 : 16 .
( 5 ) - . العنكبوت 69 : 29 .