المذكور ؛ لأمكننا مرافقته .
لكنّه توسّع في ذلك ، وفرض من تأويل آي القرآن كلّها أمرا بسيطا ذا إحكام رصين ، ليس فيه شيء من هذه التجزئة والتفصيل الموجود في القرآن الحاضر الذي يتداوله المسلمون منذ أوّل يومهم فإلى ما لا نهاية ، فإنّ ذاك عارٍ عن كونه آية آية وسورة سورة ، وجودا واحدا بسيطا صرفا ، مستقرّا في محلّ أرفع ، في كتاب مكنون لا يمسّه إلّا المطهّرون .
وفرض من القرآن ذا وجودين : وجودا ظاهريّا يتشكّل في ألفاظ وعبارات ذوات مفاهيم معروفة ، وهو الذي يُتلى ويُقرأ ويُدرس ، ويتداوله الناس حسبما ألِفوه طوال عهد الإسلام .
ووجودا آخر باطنيّا ، هو وجوده الحقيقيّ الأصيل ، المترفّع عن أن تناله العقول والأحلام ، فضلًا عن الأوهام ، وذلك الوجود الحقيقيّ الرفيع هو تأويل القرآن ، أي أصله ومرجعه الأصيل .
قال - بصدد بيان نزول القرآن دفعة واحدة في ليلة القدر من شهر رمضان ، وأنّه لم يكن هذا القرآن المتلوّ الذي بأيدي الناس ، فإنّه نزل تدريجا بلا ريب - :
« والذي يعطيه التدبّر في آيات الكتاب أمر آخر ، فإنّ الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة القدر إنّما عبّرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدالّ على الدفعة ، دون التنزيل ، واعتبار الدفعة إمّا بلحاظ المجموع أو البعض ، وإمّا لكون الكتاب ذا حقيقة أخرى وراء ما نفهمه بالفهم العاديّ ، الذي يقضي فيه بالتفرّق والتفصيل والانبساط والتدريج ، هو المصحَّح لكونه واحدا غير تدريجيّ ونازلًا بالإنزال دون التنزيل ؛ وهذا هو اللائح من الآيات الكريمة :
« كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ »
« 1 » فإنّ هذا الإحكام مقابل التفصيل ، والتفصيل هو جعله فصلًا فصلًا وقطعة قطعة ؛ فالإحكام كونه بحيث لا يتفصّل فيه جزء من جزء ، ولا يتميّز بعض من بعض ؛ لرجوعه إلى معنى واحد لا أجزاء فيه ولا
هامش
( 1 ) - . هود 1 : 11 .