وهنا لم يتحمّل خالد سماع منقبة لأمير المؤمنين عليه السلام فقال - مغضبا - : كذب لعمري أبو تراب ، ما كان كذلك .
فعند ذلك قام قتادة ، وقال : أيها الأمير ، ائذن لي في الانصراف ، فجعل يفرج بيده ويخرج وهو يقول : زنديق وربّ الكعبة ، زنديق وربّ الكعبة « 1 » .
قال المحدّث القمّيّ : هذا يُنبؤك عن ولاء قتادة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام « 2 » .
* * * وله أيضا مع الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام مواقف نذكرمنها :
أخرج الكلينيّ أيضا بإسناده إلى أبي حمزة الثماليّ ، قال : كنت جالسا في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل رجل ، فقال لي : أتعرف أبا جعفر ؟ قلت : نعم ، فما حاجتك ؟ قال :
هيّأت له أربعين مسألة أسأله عنها ، فما كان من حقّ أخذته ، وما كان من باطل تركته . فما انقطع كلامه حتّى أقبل أبو جعفر وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحجّ .
فمضى حتّى جلس مجلسه ، وجلس الرجل قريبا منه . فلمّا انصرف الناس ، التفت أبو جعفر إليه ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا قتادة بن دِعامة البصريّ .
فقال له أبو جعفر : أنت فقيه أهل البصرة ؟ قال : نعم ، فقال : ويحك يا قتادة ، إنّ اللّه تعالى خلق خلقا من خلقه ، فجعلهم حُججا على خلقه ، وهم أوتاد في أرضه ، قوّام بأمره ، نجباء في علمه ، اصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه .
فسكت قتادة طويلًا ، ثمّ قال : أصلحك اللّه ، واللّهِ لقد جلست بين يدي الفقهاء ، وقُدّام ابن عبّاس ، فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ، ما اضطرب قدّامك !
فقال أبو جعفر : أتدري أين أنت ؟ بين يدَي
« بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ، يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ، رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ »
« 3 » فأنت ثَمَّ ونحن أولئك !
هامش
( 1 ) - . الكافي الروضة ، ج 8 ، ص 111 - 113 ، رقم 91 ؛ بحار الأنوار ، ج 19 ، ص 298 - 300 .
( 2 ) - . سفينة البحار ، ج 2 ، ص 405 ق ت د .
( 3 ) - . النور 36 : 24 و 37 .