ورماه أبو حنيفة بالتشبيه . ولكن لمّا سأله بعضهم عن ذلك ، فقال : بلغني أنّك تشبّه ؟
قال : إنّما أقول :
« قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ »
فمن قال غير ذلك فقد كذب « 1 » .
وأخرج الخطيب عن القاسم بن أحمد الصفّار ، قال : كان إبراهيم الحربيّ يأخذ منّي كتب مقاتل ، فينظر فيها . فقلت له ذات يوم : أخبرني يا أبا إسحاق ، ما للناس يطعنون على مقاتل ؟ قال : حسدا منهم لمقاتل ، قال : وقال مقاتل : أُغلق عليَ وعلى الضحّاك باب أربع سنين .
قال الخطيب : وكان له معرفة بتفسير القرآن ، ولم يكن في الحديث بذاك . وأخرج عن أحمد بن حنبل ، قال : كانت له كتب ينظر فيها ، إلّا أنّي أرى أنّه كان له علم بالقرآن . وعن يحيى بن شبل ، قال : قال لي عباد بن كثير : ما يمنعك من مقاتل ؟ قال : قلت : إنّ أهل بلادنا كرهوه ! قال : فلا تكرهنَّه ، فما بقي أحد أعلم بكتاب اللّه منه . وكان عند سفيان بن عيينة كتاب مقاتل ، كان يستدلّ به ويستعين به . وقال مقاتل بن حيّان - لمّا سئل أنت أعلم أم مقاتل بن سليمان - : ما وجدتُ علم مقاتل في علم الناس إلّا كالبحر الأخضر ( المحيط ) في سائر البحور . وعن بقيّة بن الوليد ، قال : كنت كثيرا أسمع شعبة وهو يُسأل عن مقاتل ، فما سمعته قطّ ذكره إلّا بخير .
ومن طريف ما يُذكر عنه - وهو حالّ ببغداد - : أنّ أبا جعفر المنصور كان جالسا ذات يوم ، وكان ذباب قد ألحّ عليه يقع على وجهه وألحّ في الوقوع مرارا حتّى أضجره . فأرسل من يُحضر مقاتل بن سليمان ، فلمّا دخل عليه قال له : هل تعلم لماذا خلق اللّه الذّباب ؟
قال : نعم ، ليذلّ اللّه به الجبّارين ، فسكت المنصور « 2 » .
نعم ، كان الرجل صريحا في لهجته ، واسع العلم ، بعيد النظر ، شديدا في دينه ، صلبا في عقيدته . وفوق ذلك كان يميل مع مذهب أهل البيت ، ذلك المنهج الذي انتهجه أشياخه من
هامش
( 1 ) - . المصدر نفسه ، ص 281 - 282 .
( 2 ) - . تاريخ بغداد ، ج 13 ، ص 160 - 169 ؛ وفيات الأعيان ، ج 5 ، ص 255 ، رقم 733 .