وقوله تعالى :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ »
« 1 » ؛ إذ ليس المراد مطلق الظلم ، بل هو « الشرك » خاصّة . روي ذلك عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم « 2 » ، وهكذا فسّر اليد ( في القطع بالسرقة « 3 » باليمين من مَفصِل الأصابع . ومثله جلد الزاني المتقيّد بغير المحصن .
وأيضا قوله تعالى :
« مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ »
« 4 » . فقد كان الميراث بعد إخراج ما أوصى به الميّت وكذا دينه . فالدَين مطلق ، أمّا الوصيّة فقيّدت بما إذا لم تتجاوز ثلث التركة بعد وضع الدَين . فهذا التقييد تعرّضت له السنّة ، وكان قد أُبهم في القرآن إبهاما .
الوجه الثالث : ما إذا ورد عنوان خاصّ في القرآن ، وكان متعلّقا لتكليف ، أو قيدا في عبادة مثلًا ، ولكنّه كان مصطلحا شرعيّا من غير أن يكون مفهومه العامّ مرادا ، فهذا أيضا ممّا يجب تبيينه من السنّة . وهذا في جميع المصطلحات الشرعيّة - أي الحقائق الشرعيّة على حدّ تعبيرهم - ممّا لم تكن لها سابقة في العرف العامّ .
وهذا كما في الصلاة والزكاة والحجّ والجهاد وما شاكل ، إنّها مصطلحات شرعيّة خاصّة « 5 » ، لا بُدّ لمعرفة حقائقها وماهيّاتها من مراجعة الشريعة ، كما كان يجب الرجوع إليها لمعرفة أحكامها وشرائطها ؛ إذ ليست الصلاة مطلق الدعاء والمتابعة - كما هي في اللغة والعرف العامّ غير الإسلاميّ - بل عبادة خاصّة ذات كيفيّة وأفعال وأذكار خاصّة ، أعلن بها الشرع الحنيف ، وتصدّى لبيانه الرسول الكريم ، قال : « صلّوا كما رأيتموني أُصلّي » .
وهكذا ليست الزكاة مطلق النموّ ، بل إنفاق خاصّ في كيفيّة خاصّة ، توجب تنمية المال بفضل اللّه تعالى إن وقعت عن صدق وإخلاص ، الأمر الذي جاء تبيينه في السنّة الشريفة . ومثلها الحجّ ليس مطلق القصد ، وكذا الجهاد ليس مطلق الاجتهاد والسعي ،
هامش
( 1 ) - . الأنعام 82 : 6 .
( 2 ) - . مجمع البيان ، ج 4 ، ص 327 .
( 3 ) - . المائدة 38 : 5 .
( 4 ) - . النساء 12 : 4 .
( 5 ) - . المقصود بالشرع : مطلق الشرائع الإلهيّة وليس شرع الإسلام فحسب . نعم ، لم تكن هذه المفاهيم ممّا وضعه العرف العامّ ولا اللغة ، وإنّما هو أمر جاء به الشرع في مصطلحه الخاصّ .