وهكذا حدّث أبو أُمامة ابن سهل بن حنيف « 1 » قال : كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقولون : إنّ اللّه ينفعنا بالأعراب ومسائلهم ، قال : أقبل أعرابيّ يوما فقال : يا رسول اللّه ، لقد ذكر اللّه في القرآن شجرة مؤذية ، وما كنت أرى أنّ في الجنة شجرة تؤذي صاحبها ! فقال رسول اللّه : وما هي ؟ قال : السدر ، فإنّ لها شوكا . فقال رسول اللّه :
« فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ »
« 2 » يخضد اللّه شوكه فيجعل مكان كلّ شوكة ثمرةً ، فإنّها تنبت ثمرا ، تَفتُق الثمرةُ معها عن اثنين وسبعين لونا ، ما منها لونٌ يُشبه الآخر « 3 » .
ومن ثمّ كان ابن مسعود يقول : واللّه الذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب اللّه إلّا وأنا أعلم فيم نزلت وأين نزلت . وهكذا تواتر عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وتلميذه ابن عبّاس ، وغيرهم من علماء الصحابة ، حسبما يأتي في تراجمهم . « 4 »
هل تناول النبيّ القرآن كلّه بالبيان ؟
عقد الأستاذ الذهبيّ بابا ذكر فيه الجدل بين فريقين ، يرى أحدهما : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد بيّن لأصحابه معاني القرآن كلّه إفرادا وتركيبا . ويترأّس هذا الفريق أحمد بن تيميّة ، كان يرى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بيّن جميع معاني القرآن كما بيّن ألفاظه ؛ لقوله تعالى :
« لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ »
« 5 » فإنّه يشمل الألفاظ والمعاني جميعا . « 6 »
والفريق الثاني - ويترأّسهم الخُوَيّيّ والسيوطيّ - : يرون أنّه لم يبيّن سوى البعض القليل ، وسكت عن البعض الآخر ، ثمّ فرض لهم دلائل ، أهمّها ما أخرجه البزّار عن عائشة ، قالت : ما كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يفسّر شيئا من القرآن إلّا آيا بعدد ، علّمه إيّاهنّ جبريل « 7 » .
هامش
( 1 ) - . اسمه أسعد ، سمّاه بذلك رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ودعا له وبرك عليه تُوفّي سنة 100 ه . وهو ابن نيّف وتسعين ( أُسد الغابة لابن الأثير ، ج 5 ، ص 139 ) .
( 2 ) - . الواقعة 28 : 56 .
( 3 ) - . أخرجه الحاكم وصحّحه ، المستدرك على الصحيحين ، ج 2 ، ص 476 .
( 4 ) - . عند الكلام عن دور الصحابة في التفسير .
( 5 ) - . النحل 44 : 16 .
( 6 ) - . راجع : مقدّمة في أصول التفسير لابن تيميّة ، ص 5 - 6 .
( 7 ) - . تفسير ابن كثير ، ج 1 ، ص 6 ؛ تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 29 .