وبذلك نكون قد أمّننا على القرآن ضياعه ، فلا يضيع كما ضاعت التوراة والإنجيل من قبل ؛ بتجريد تراجمهما عن النصّ الأصل ، الأمر الذي يجب أن لا يتكرّر بشأن هذا الكتاب السماويّ الخالد
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
« 1 » .
نماذج من تراجم خاطئة
لا ريب أنّ كلّ عمل فرديّ قد يتحمّل أخطاءً لا يتحمّلها عمل جماعيّ ، ومن ثمّ وقع الكثير من الأفاضل في مآزق الانفراد فزلّوا أو أخطأوا المقصود ، هذا الإمام بدر الدين الزركشيّ ، المضطلع باللغة والأدب ، وكذا تلميذه جلال الدين السيوطيّ الخبير بمواضع الكلام ، نراهما قد اشتبها في اشتقاق « هُدنا » « 2 » ، فزعماه من : هدى يهدي « 3 » . مع العلم أنّه من :
هاد يهود !
لكن الزمخشريّ في تفسيره يقول : هدنا - بالضمّ - : فعلنا ، من : هاده يهيده « 4 » .
وقال الراغب : الهَوْد : الرجوع برفق ، ومنه التهويد وهو مشي كالدبيب . وصار « الهَوْد » في التعارف التوبة ، قال تعالى : « إنا هدانا إليك » أي تبنا « 5 » .
والأعجب اشتباه مثل الراغب ، ذكر في مادّة ( عنت ) قوله تعالى :
« وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ »
« 6 » أي ذلّت وخضعت « 7 » ، في حين أنّه من ( عَنِيَ ) بمعنى العناء وهو ذلّ الاستسلام ؛ ولذلك يقال للأسير : العاني . وقد غفل الراغب فذكره في ( عنى ) أيضا . قال الطبرسيّ : أي خضعت وذلّت خضوع الأسير في يد مَن قهره . . . « 8 »
هامش
( 1 ) - . الحجر 9 : 15 .
( 2 ) - . من قوله تعالى : « وَاكتُب لَنا في هذِهِ الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنّا هُدنا إِلَيكَ » الأعراف 156 : 7 .
( 3 ) - . قال الزركشيّ : فمنه الهدى سبعة عشر حرفا - إلى قوله - وبمعنى التوبة : « إنّا هدنا إليك » أي تُبنا ! البرهان في علوم القرآن ، ج 1 ، ص 103 - 104 .
وقال السيوطيّ : من ذلك الهدى يأتي على سبعة عشر وجها - إلى قوله - والتوبة : « إنا هدانا إليك » ! ( الإتقان ، ج 2 ، ص 122 - 123 ) .
( 4 ) - . الكشّاف ، ج 2 ، ص 165 .
( 5 ) - . المفرداتفي ألفاظ القرآن للراغبالإصفهانيّ ، ص 546 .
( 6 ) - . طه 111 : 20 .
( 7 ) - . المفردات ، ص 349 .
( 8 ) - . مجمع البيان ، ج 7 ، ص 31 .