قبل ! « 1 »
قلت : هذا قياس مع الفارق ؛ إذ السبب في ضياع التوراة وكذا الإنجيل ، إنّما يعود إلى إخفاء الأصل عن العامّة وإبداء تراجمهما المحرَّفة للناس ، لغرض التمويه عليهم . كان الأحبار والقساوسة يدأبون في تحريف تعاليم العهدين تحريفا في معاني الكلم دون نصّ اللفظ ؛ إذ لم يكن ذلك بمقدورهم ، فعمدوا إلى تفسيرهما على غير وجهه ، وإبداء ذلك إلى الملأ باسم التعاليم الإلهيّة الأصيلة .
قال تعالى - بشأن التّوراه - :
« الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً . . . »
« 2 » ، أي تبدون منه مواضع وتخفون أكثره .
وقد ذكرنا - في مسألة صيانة القرآن من التحريف - أنّ التحريف في العهدين إنّما يعني التحريف في معناهما ؛ أي التفسير على غير وجهه ، الأمر الذي حصل في تراجم العهدين دون نصّهما .
قال تعالى :
« قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ »
« 3 » وقال :
« قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
« 4 » .
فالكارثة كلّ الكارثة إنّما هي في إخفاء نصّ العهدين الأصليّين عن أعين الناس ، وهذا هو السبب الوحيد لضياعهما ، دون مجرّد ترجمتهما .
أمّا القرآن فهو الكتاب الذي يتعاهده المسلمون جيلًا بعد جيل ، بل العالم كلّه من مسلم معتقِد وآخر محقّق مضطلع ، يحرسون على نصّ القرآن العزيز ، وقد قال تعالى :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
« 5 » ، أي في صدور الرجال وعلى أيدي الناس ، الأولياء والأعداء جميعا ، معجزة قرآنيّة خالدة .
* * *
هامش
( 1 ) - . القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد لمحمّد مصطفى الشاطر ، ص 15 - 16 .
( 2 ) - . الأنعام 91 : 6 .
( 3 ) - . المائدة 68 : 5 .
( 4 ) - . آل عمران 93 : 3 .
( 5 ) - . الحجر 9 : 15 .