في الغالب ( بل الأكثريّة الساحقة ) متوافق مع الأصل في النظم والترتيب حتّى في الأسلوب البيانيّ ، إن أمكن ذلك ، وكانت اللغة المترجَمة إليها متقاربة مع اللغة المترجَم عنها في تلكم المصطلحات وفنون المحاورة غالبا . والمعهود أنّ لغات الأمم المتجاورة ، قريبات بعضهنّ مع البعض في آفاق التعبير والبيان .
والترجمة المعنويّة ، هي الراجحة والمتداولة في الأوساط العلميّة والأدبيّة ، منذ عهد سحيق ، وهي الوسيلة الناجحة لبثّ الدعوة بين الملأ على مختلف لغاتهم وألسنتهم ، وقد جرت عليها سيرة المسلمين ولا تزال قائمة على ساق . ولا شكّ أنّ عرض مفاهيم القرآن وحقائقه الناصعة ، على ذوي الأحلام الراجحة من سائر الأمم ، من أنجح الوسائل في أداء رسالة اللّه إلى الخلق ، التي تحمّلتها عواتق هذه الامّة « 1 » ، الأمر الذي لا يمكن إلّا بتبيين وترجمة النصوص الإسلاميّة - كتابا وسنّه - وعرضها بألسن الأمم ولغاتهم المألوفة « 2 » .
ومن ثمّ كانت ترجمة القرآن ترجمة صحيحة ، ضرورة دعائيّة يستدعيها صميم الإسلام وواقع القرآن ، حسبما يأتي .
المنع من الترجمة وأخطارها
لم تسبق من علماء الإسلام نظرةُ منعٍ من ترجمة القرآن ، بعد أن كانت ضرورة دعائيّة ، لمسها دعاة الإسلام من أوّل يومه . وإنّما حدث القول بعدم الجواز في عصر متأخّر ( في القرن الماضي ، في تركيا العثمانيّة ، وفي مقاطعاتها العربيّة ، مثل سوريا ومصر ) ولعلّها فكرة استعماريّة تبشيريّة ، محاولةً لشدّ حصار قلعة الإسلام ، دون نشره وبثّ تعاليم الإسلام ، في المناطق غير العربيّة .
قال الدكتور عليّ شوّاخ : فلو تدبّرنا وتعمّقنا لوجدنا أنّ القول بالمنع عاصر فتوى النصارى الغربيّين واستعمارهم لبلاد الإسلام ، فقد حاولوا تنصير المسلمين بكلّ وسيلة ، ولم يكتفوا بإرسال المبشّرين في شتّى الملابس ، بل منعوا أيضا تدريس اللغة العربيّة
هامش
( 1 ) - . البقرة 143 : 2 .
( 2 ) - . إبراهيم 4 : 14 .