وعندما استيقظوا كانوا لا يزالون يملؤهم الفزع والرعب من الخطر الذي نجوا منه ، فعمدوا إلى الحيطة وبعثوا بأحدهم إلى المدينة ليشتري لهم طعاما . ولم يعرف بائع الطعام النقود التي دفعها إليه الفتى ، فساقه إلى الملك وهناك تبيّن كلّ شيء : فقد نام الفتية ثلاثمأة سنة وتسعا ، وكانت الوثنيّة قد انقرضت خلال هذه المدة وحلّ محلّها التوحيد ، وفرح الملك بأصحاب الكهف فرحا عظيما ، لأنّ بعثهم أيّد عقيدة دينية كان البعض يشكّ في صحّتها ، وهي أنّ الناس يبعثون كما هم بالجَسَد والروح معا .
ولم يكد الفتى يعود إلى الكهف ثانية حتى ضَرَب اللّه على آذانهم مرّة أخرى . فجاء الناس وشيّدوا هناك - على المغارة - مسجدا ، تبّركا بهم .
* * * وهنا عدة أسئلة أخرى :
ما هي تلك المدينة التي هرب منها الفتية ولجأوا إلى الكهف ؟
يقول ابنعاشور : والذي ذكره الأكثر أنّ في بلدٍ يقال له : « أَبْسُس » - بفتح الهمزة وسكون الباء وضمّ السين ، بعدها سين أخرى - وكان بلدا من ثغور طَرَسوس « 1 » بين حَلَب وبلاد أرمينيّة وأنطاكيّة .
قال : وليست هي « أفسس » بالفاء ، المعروفة في بلاد اليونان بشهرة هيكل المشتري فيها ، فإنّها من بلاد اليونان ، وقد اشتبه ذلك على بعض المؤرّخين والمفسّرين ، وهي قريبة من « مَرْعَش » « 2 » من بلاد أرمينيّة . « 3 »
وأَبْسُس هذه هي مدينة « عَرْبَسُوس » « 4 » القديمة في « كبادوشيا » ، وكانت تسمّى أيضا « أَبْسُس » . وتسمّى اليوم « برپوز » . « 5 »
فهل كانت مدينة « أَبْسُس » هذه هي المسرح الذي وقعت فيه تلك الحوادث بما فيها
هامش
( 1 ) - مدينة في جنوبي تركيا الآسيويّة قيليقيا . وفيها ولد بولس وفتحها المأمون سنة 788 م وفيها دفن .
( 2 ) - مدينة في جنوب تركيا على حدود سورية .
( 3 ) - تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ، ج 15 ، ص 21 .
( 4 ) - عَرْبَسُوس : بلد من نواحي الثغور قرب المِصْيَصة ( مدينة على شاطئ نهر جيحان قرب طَرَسوس - تركيا ) .
( 5 ) - دائرة المعارف الإسلاميّة المترجمة ، ج 2 ، ص 242 .