طلبها قومه للتصديق :
« قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً »
« 1 » وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة فاستجاب اللّه لعبده صالح وأعطاه هذه الخارقة في صورة ناقة . ولا يذكر تفصيلًا عنها سوى كونها بيّنة من ربّهم وأنّها ناقة اللّه وفيها آية منه . قال سيد قطب :
ومن هذا الإسناد نستلهم أنّها كانت ناقة غير عاديّة ، أو أنّها أخرجت لهم إخراجا غير عاديّ . ممّا يجعلها بيّنة من ربّهم وممّا يجعل نسبتها إلى اللّه ذات معنى ، ويجعلها آية على صدق نبوّته . ولا نزيد على هذا شيئا ممّا لم يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن .
قال : ولا نخوض في وصفها كما خاض المفسّرون القدامى ، لأنّه ليس لدينا سند صحيح نعتمد عليه في هذا الوصف . فنكتفي بأنّها كانت خارقة كما طلبت ثمود . « 2 »
نعم جاءت الإشارة إلى جانب خارقيّتها بشأن قسمة الماء بينهم وبينها :
« إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ . وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ » .
« 3 »
« قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ . وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ »
. « 4 » قال الحسن : كانت ناقة من النوق ، وكان وجه الإعجاز فيها أنّها كانت تشرب ماء الوادي كلّه في يوم . « 5 » وهو ماء معيّن كان مخصّصا للشرب كما سنذكر .
هذا جلّ وصف تلك الناقة الخارقة حسبما جاء إجماليّا في هذا المصدر الوثيق . أمّا كيف أُخرجت الناقة ، وكيف كان إرسالها تأكل في أرض اللّه بلا أن تتعرّض لسوء ، وكيف كانت قسمة الماء بينها وبين القوم ، والماء لديهم كثير
« أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ . . . »
؟ ! « 6 »
قال الشيخ محمد عبده - ما ملخّصه - : دلّ مجموع الآيات على أنّ آية اللّه في الناقة أن لا يتعرّض لها أحد من القوم بسوء في نفسها ، ولا في أكلها ولا في شربها . وأنّ ماء ثمود قسمة بينهم وبين الناقة إذ كان الماء قليلًا ، فكانوا يشربونه يوما وتشربه هي يوما . وروي
هامش
( 1 ) - الأعراف 73 : 7 . وصيغة الطلب جاءت في سورة الشعراء 153 : 26 - 154 « قالواإِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ . ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا . فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ».
( 2 ) - راجع : في ظلال القرآن ، ج 8 ، ص 212 وج 19 ، ص 92 .
( 3 ) - القمر 27 : 54 - 28 .
( 4 ) - الشعراء 156 : 26 - 157 .
( 5 ) - مجمع البيان ، ج 4 ، ص 440 .
( 6 ) - الشعراء 146 : 26 - 148 .