وعليه فيكون معنى الآية : أنّهم كانوا يبنون أعلاما رفيعة ضخمة لغاية الصيت والفخار بحيث لم يكد يوجد لها مثيل ذلك الأوان .
وقد جاء التصريح بذلك في سورة الشعراء :
« . . . أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . . . » .
« 1 »
والرِّيع : المرتفع من الأرض . والظاهر أنّهم كانوا يبنون فوق القلال والمرتفعات بنايات ضخمة رفيعة بحيث تبدو للناظر من بُعد كأنّه علامة . وكان القصد هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة ، ومن ثمّ سمّاه عبثا . ولو كان لهداية المارّة ومعرفة الاتّجاه ما قال لهم :
« تَعْبَثُونَ » .
ويبدو من قوله :
« وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ »
أنّ عادا كانت قد بلغت من الحضارة الصناعيّة مبلغا يذكر ، حتّى لتتّخذ المصانع لنحت الجبال وبناء القصور وتشييد العلامات على المرتفعات ، وحتّى ليجول في خاطر القوم أنّ هذه المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البنايات والقلاع سوف يكفي لحمايتهم في سبيل الخلود ، ووقايتهم من مؤثّرات الجوّ ومن غارات الأعداء . . .
كما يبدو من ظاهر التعابير الواردة في الآيات أنّ قوم عاد كانوا حُضّرا لا قبائل رُحَّل ، فيما حسبه الطبري وغيره من المفسّرين . فقد كانت لهم مباني ومصانع وعيون وجنّات وأعلام ، وتلك مساكنهم كانت ظاهرة حتّى أوان ظهور الإسلام :
« وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ » .
« 2 »
أمّا مساكن عاد فبالأحقاف بين اليمن وحضرموت كانت بمرأى من العرب في رحلاتهم الشتويّة إلى جنوبيّ الجزيرة . وكذا ثمود كان مقامها في الحجر المعروفة بمدائن صالح بين المدينة وتبوك ، وقد قطعت الصخر وشيّدته قصورا ، كما نحتت الجبال ملاجئ ومغارات وبقيت مشهودة لدى العرب في رحلاتهم الصيفيّة إلى شماليّ الجزيرة .
هامش
( 1 ) - الشعراء 128 : 26 - 134 .
( 2 ) - العنكبوت 38 : 29 .