أساسها التعاون والتكافل في الحياة ، دون التباغض والتباعد ، لولا أن تتداركهم الهداية الربّانيّة الأمر الذي نبّه اللّه آدم وزوجه عليه حينما أخرجهما من الجنّة ليعيشا وذرّيّتهما على وجه الأرض .
« قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً . فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » .
« 1 »
قال سيد قطب : هذه القصّة تقدّم نموذجا لطبيعة الشرّ والعدوان ، ونموذجا كذلك من الطيبة والوداعة ، وتقفهما وجها لوجه ، كلّ منهما يتصرّف وفق طبيعته . . .
واتل عليهم نبأ هذين النموذجين من نماذج البشريّة ، اتله عليهم بالحقّ ، فهو حقّ وصدق في روايته ، وهو ينبئ عن حقّ في الفطرة البشريّة ، وهو يحمل الحقّ في ضرورة الشريعة العادلة الرادعة .
إنّ ابني آدم هذين - قبل كلّ شيء - هما في موقف لا يثور فيه خاطر الاعتداء في نفس طيّبة . فهما في موقف طاعة بين يدي اللّه . موقف تقديم قربان ، يتقرّبان به إلى اللّه :
« إِذْ قَرَّبا قُرْباناً »
. .
« فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ »
. والفعل مبنيٌّ للمجهول ، ليشير بناؤه هكذا إلى أنّ أمر القبول أو عدمه ، موكول إلى قوّة غيبيّة ، وإلى كيفيّة غيبيّة . . . إيحاءً بأنّ الذي قبل قربانه لا جريرة له توجب الحفيظة عليه وتبييت قتله ، فالأمر لم يكن له يد فيه ، وإنّما تولّته قوّة غيبيّة بكيفيّة غيبيّته ، تعلو على إدراك كليهما وعلى مشيئته . . . فما هناك مبرّر ليحنق الأخ على أخيه ، وليجيش خاطر القتل في نفسه .
« قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ »
وهكذا يبدو هذا القول - بهذا التأكيد المنبئ عن الإصرار - نابيا مثيرا للاستنكار ، لأنّه ينبعث من غير موجب ، اللهمّ إلّا ذلك الشعور الخبيث المنكر ، شعور الحسد الأعمى ، الذي لايعمر نفسا طيّبة .
والسياق يمضي ليزيد هذا الاعتداء نكارة وبشاعة بتصوير استجابة النموذج الآخر ، ووداعته وطيبة قلبه :
« قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »
. هكذا في براءة تردّ الأمر إلى وضعه وأصله ، وفي إيمان يدرك أسباب القبول ، وفي توجيه رفيق للمعتدي أن يتّقي اللّه ، وهداية
هامش
( 1 ) - بقرة 38 : 2 .