الوجود كان أمرا اختياريا ولكنّه بعدالوجود خرج عن الاختيار وأصبح ضرورةً غير اختيارية .
قال : ومرجع ذلك إلى نفي إطلاق قدرته تعالى ، فلاتعمّ الكائن الحادث بعد حدوثه .
وإنّما القدرة خاصّة بحال الحدوث ولا تشمل حالة البقاء . وهو كما قالت اليهود :
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » .
قال : وقد ألمح سبحانه وتعالى إلى الردّ على الوجه الأوّل بقوله :
« أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. فلا موضع لتوهّم فوات المصلحة القديمة بعد إمكان التعويض عنها بمصلحةٍ مثلها أو خيرٍ منها . وعن الوجه الثاني بقوله :
« أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . »
أي له التصرّف في ملكه حيثما يشاء ، وهو دالّ على عموم القدرة ، في بدء الحدوث وعبر البقاء جميعا . « 1 »
وعليه أيضا نزلت الآية :
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » .
« 2 » أي يمكنه تعالى أن يزيل شيئا عمّا قدّر فيه ويبدّله إلى غيره ، حسب علمه تعالى في الأزل بالمصالح والمفاسد المقتضية في أوقاتها وظروفها الخاصّة . فهو تعالى كلّ يوم في شأن . « 3 »
ومثلها قوله تعالى :
« وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ » .
« 4 » وذلك أنّهم لفرط جهلهم أنكروا إمكان التبديل في الخلق والتدبير - سواء في التشريع والتكوين - حسبوا من التغييرات الحاصلة في طول التشريع أنّها افتراءٌ على اللّه . الأمر الذي يدلّ على غباوتهم وجهلهم بمقام حكمته تعالى الماضية في الخلق والتدبير على طول خطّ الوجود .
وهذا المعنى هو المستفاد من عقيدتهم بأنّه تعالى بعد ما فرغ من خلق السماوات والأرض خلال الستة الأيّام استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت . جاء في سفر التكوين : « فأكملت السماوات والأرض وكلّ جندها ، وفرغ اللّه في اليوم السابع من عمله
هامش
( 1 ) - الميزان في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 253 - 254 .
( 2 ) - الرعد 39 : 13 .
( 3 ) - الرحمان 29 : 55 .
( 4 ) - النحل 101 : 16 .