وصفه :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » .
« 1 » وقال :
« وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » .
« 2 » فالظاهر أنّ قوله
« عَبَسَ وَتَوَلَّى »
« 3 » المراد به غيره . « 4 »
وهكذا ورد قوله تعالى :
« وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ » .
« 5 » وقوله :
« وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » .
« 6 » وغيرهما من آيات مكّية جاء الدستور فيها بالخفض واللين والرأفة مع المؤمنين ، فكيف يا ترى يتغافل النبيّ عن خُلُقٍ كريم هي وظيفته بالذات ، ولا سيّما مع السابقين الأوّلين من المؤمنين ، وبالأخصّ مع من ينتمي إلى زوجه الوفيّة خديجة الكبرى امّ المؤمنين . « 7 »
وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي : ما ذكروه سببا لنزول الآيات إنّما هو قول لفيف من المفسّرين وأهل الحشو في الحديث ، وهو فاسد ، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد أجلّ اللّهُ قدره عن هذه الصفات ، وكيف يصفه بالعُبُوس والتقطيب وقد وصفه بالخُلُق العظيم واللين وأنّه ليس بفظّ غليظ القلب ؟ ! وكيف يُعرض النبيّ عن مسلم ثابت على إيمانه جاء ليتعلّم منه ، وقد قال تعالى :
« وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ »
! ؟ « 8 » ومَن عرف النبيّ وحُسن أخلاقه وماخصّه اللّه تعالى به من مكارم الأخلاق وحسن الصحبة ، حتّى قيل : إنّه لم يكن يصافح أحدا قطّ فينزع يده من يده حتّى يكون ذلك هو الذي ينزع يده . فمن هذه صفته كيف يقطب وجهه في وجه أعمى جاء يطلب زيادة الإيمان . على أنّ الأنبياء عليهم السلام منزّهون عن مثل هذه الأخلاق وعمّا دونها ، لما في ذلك من التنفير عن قبول دعوتهم والإصغاء إلى كلامهم . ولايُجوّز مثل هذا على الأنبياء مَن عرف مقدارهم وتبيّن نعتهم .
نعم ، قال قوم : إنّ هذه الآيات نزلت في رجلٍ من بنى اميّة كان واقفا إلى جنب النبي ، فلمّا أقبل ابن امّ مكتوم تقذّر وجمع نفسه وعَبَس وَتَولّى . فحكى اللّه ذلك وأنكره معاتبا
هامش
( 1 ) - القلم 4 : 68 .
( 2 ) - آل عمران 159 : 3 .
( 3 ) - عَبَس 1 : 80 .
( 4 ) - تنزيه الأنبياء للسيّد المرتضى ، ص 118 - 119 بتلخيص يسير .
( 5 ) - الحِجر 88 : 15 . مكّية ، رقم نزولها : 54 .
( 6 ) - الشعراء 215 : 26 ، مكّية ، رقم نزولها : 47 .
( 7 ) - تقدّم قريبا أنّه كان ابنخال خديجة رضوان اللّه عليها .
( 8 ) - الأنعام 52 : 6 .