فتبارك اللّه أحسنُ الخالقين
جاء التعبير بأنّه تعالى أحسنُ الخالقين في موضعين من القرآن « 1 » ممّا يشي بأنّ هناك خالقين سوى اللّه ليكون هو أحسنهم ! ! في حين أنّه تعالى ينفي بكلّ شدّةٍ أن يكون خالقٌ غيرَه إطلاقا وأنّه خالق كلّ شيء ولا خالق سواه ، فما وجه التوفيق ؟
غير أنّ الخَلْق بمعنى الإبداع وإيجاد الصورة بالتركيب الصناعي أمر يعمّ . فقد حكى اللّه تعالى عن المسيح :
« أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ » .
« 2 » وقوله :
« وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي » .
« 3 » والخلق - في كلام العرب - ابتداع الشيء ، وإنّما يخصّه تعالى إذا كان إنشاءً لا على مثال سبقه . وكلّ شيءٍ خلقه اللّه فهو مبتدءه على غير مثال سُبق إليه .
« أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ » .
« 4 »
قال ابنالأنباري : الخلق في كلام العرب على وجهين : أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه ، والآخر التقدير . وقوله تعالى :
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
« 5 » معناه : أحسن المقدّرين . وكذلك قوله تعالى :
« وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً »
« 6 » أي تقدّرون كذبا .
قال ابنسيده : خَلَق اللّهُ الشيء يخلُقه خلقا : أحدثه بعد أن لم يكن .
قال ابنمنظور : والخلق التقدير . وخَلَق الأديمَ يخلقه خلقا : قدّره لما يريد قبل القطع ، وقاسه ليقطع منه مَزادةً أو قربةً أو خفّا . قال زهير بن أبي سُلمى يمدح رجلًا :
ولأنت تفري ما خلقتَ وبع - * - ضُ القوم يخلق ثمّ لايفري
يعني : أنت إذا قدّرت أمرا قطعته وأمضيته ، وغيرك يقدّر وليس بماضي العزم . « 7 »
عبس وتولّى
وممّا جعله أهل التبشير المسيحي ذريعةً للحطّ من كرامة القرآن - بزعم وجود
هامش
( 1 ) - المؤمنون 14 : 23 ؛ والصّافّات 125 : 37 .
( 2 ) - آل عمران 49 : 3 .
( 3 ) - المائدة 110 : 5 .
( 4 ) - الأعراف 54 : 7 .
( 5 ) - المؤمنون 14 : 23 .
( 6 ) - العنكبوت 17 : 29 .
( 7 ) - لسان العرب ، مادّة « خلق » .