فالنميمة تحوّل ما بين الصديقين من محبّة إلى بغضاء بالدسائس وهي وسائل خفيّة تشبه السحر الذي هو ما لطف ودقّ مأخذه . فالنّمام يأتي بكلامٍ يشبه الصدق ويؤثّر في خلدك كما يفعل الساحر المشعوذ إذا أراد أن يحلّ عُقَد المحبّة والوداد بين كلّ متحابّين . إذ يتزمزم بألفاظٍ ويعقد عُقدةً وينفث فيها ، ثمّ يحلّها إيهاما للعامّة أنّ هذا حلٌّ للعقدة بين الزوجين أو غيرهما . فهو من التشبيه المحض وليس المقصود ما تفعله السَحَرة بالذات .
الأمر الذي يتناسب مع سائر آيات سورة الفلق :
« وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ »
. أي ومن شرّ الليل إذا دخل وغمر كلّ شيءٍ بظلامه . والليل إذا كان على تلك الحال كان مخوفا باعثا على الرهبة والوحشة ، لأنّه ستار يختفي في ظلامه ذوو الإجرام إذا قصدوك بالأذى ، وعونٌ لأعدائك إذا قصدوا بك الفتك . . . وهكذا قوله :
« وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ »
يعني : شرّ حاسد إذا حاول إنفاذ حسده بالسعي والجدّ في إزالة نعمة مَن يحسده . فهو يعمل الحِيَل وينصب شبائكه لإيقاع المحسود في فخّ الضرر والأذى ، يعمل ذلك بأدقّ الوسائل لتنفيذ مكائده .
فكما أنّ الآيتين ( السابقة واللاحقة ) استعاذة باللّه من مكائد أهل الزيغ والإفساد ، كذلك هذه الآية ( النفّاثات في العُقد ) هي مكائد يرتكبها أهل النمائم لإيقاع الأذى . شُبِّهُوا بالسّاحرات ينفثن في العُقد .
فالاستعاذة منهم جميعا إلى اللّه المستعان لإحباط مساعيهم وردّ مكائدهم في نحورهم ، وهو الملجأ والمعين .
قال سيّد قطب : والنفّاثات في العُقَد : السواحر الساعيات بالأذى عن طريق خداع الحواسّ ، وخداع الأعصاب ، والإيحاء إلى النفوس والتأثير في المشاعر . وهُنَّ يعقدن العُقد في نحو خيطٍ أو منديلٍ وينفثن فيها كتقليد من تقاليد السحر والإيحاء . قال : والسحر لايغيّر من طبيعة الأشياء ، ولا يُنشئ حقيقةً جديدةً لها . ولكنّه يخيّل للحواسّ والمشاعر بما يريده الساحر . « 1 »
هامش
( 1 ) - في ظلال القرآن ، المجلّد 8 ، ص 709 ، ج 30 ، ص 291 . وقد نقلنا تمام كلامه آنفا .