وحاول الإضرار به يعلم أن لا نصيب له في العاقبة ، فهو حين يختاره ويشتريه يفقد كلّ رصيدٍ له في الآخرة سوى العقاب . فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم وأضاعوا خيرات كانت لهم في عقبى الدار .
« وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ »
لو كانوا يفقهون ويعون واقع الأمر .
النفّاثات في العُقَد « 1 »
النفث ، قَذْف القليل من الريق شبيهٌ بالنفخ ، وهو أقلّ من التفل . ونفث الراقي أو الساحر أن ينفث بريقه في عُقَدٍ يعقدها بعد كلّ زمزمة يتزمزم بها ليسحر بها فيما زعموا .
والمراد به هنا هي النميمة ينفثها النمّامون في العُقَد أي في الروابط الودّية ليبدّدوا شمل الألفة بين المتحابّين : المرء وزوجه ، الوالد وولده ، الأخوين ، المتشاركين في صنعةٍ أو تجارةٍ أو زراعةٍ وغير ذلك ممّا يرتبط وأواصر الودّ بين شخصين أو أكثر . والعرب تسمّي الارتباط الوثيق بين شيئين أو شخصين عُقْدة ، كما جاء التعبير عن الارتباط بين الزوجين
« عُقْدَةَ النِّكاحِ »
قال تعالى :
« وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ » .
« 2 »
« إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ » .
« 3 »
ومعنى الآية : ومن شرّ النمّامين الذين يحاولون بوساوسهم الخبيثة قطع الأواصر بين المتحابّين . وهذا من التشبيه في الجُمَل التركيبية ، نظير التشبيه في سورة المَسَد بشأن امّ جميل امرأة أبيلهب
« وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ »
« 4 » أي النمّامة . حيث النمّام يحمل على عاتقه حطب لهيب النفاق والتفرقة بين المتحابّين . وجاء مناسبا مع تكنّي زوجها بأبيلهب . فهي تحمل حطب هذا اللهب . فكما أنّها لم تكن تحمل حطبا حقيقةً - كما زعمه بعضهم - لأنّها بنت حرب أُخت أبيسفيان وكذا زوجها أبو لهب ، كانا من أشراف قريش الأثرياء ، غير أنّهما كانا يحملان خبثا ولؤما بالِغَين .
هامش
( 1 ) - الفلق 4 : 113 .
( 2 ) - البقرة 235 : 2 .
( 3 ) - البقرة 237 : 2 .
( 4 ) - المسد 4 : 111 .