منهما وعادات ورثاها من أصل نشأتهما . وربّما كانت تفخر عليه أو تحتقره حسب فطرتها فلم يكن زيد يتحمّلها واشتكى إلى النبيّ غير مرّة من سوء معاملتها إيّاه واستأذنه غير مرّة في تطليقها ، فكان النبيّ يجيبه :
« أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ » .
« 1 » ولعلّه أيضا كان يُسيء إليها في معاشرته معها غير المتناسبة لشأنها ، الأمر الذي يشي إليه الأمر بتقوى اللّه . لكنّ زيدا لم يطق الصبر معها حيث بعد الشقّة بين خُلقهما فطلّقها .
وكان النبيّ صلى الله عليه وآله يعلم بهذه العاقبة ، وأنّ وراءها حكمة أخرى يجب تنفيذها لإبطال عادة جاهلية أخرى كان عليها العرب . كانوا يدينون بشأن الأدعياء أنّ لهم اتّصالًا بالأنساب من إعطائهم جميع حقوق الأبناء وإجراء أحكامهم عليهم حتّى في الميراث وحرمة النسب . أمّا الإسلام فلم يكن يرى للمتبنّي واللصيق سوى حقّ المولى والأخ في الدين لا أكثر
« وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ » .
« 2 »
فهنا يأتي دور إبطال هذه العادهالجاهلية إبطالًا عمليّا ، والمترشّح لهذه التفدية أو التضحية هو نفس النبيّ الكريم عليه وعلى آله أفضل صلوات المصلّين ، إذ لم يكن من العرب مَن يستطيع أن يقوم بهذه التضحية وينقض بها تقاليد الأجيال السالفة ! سوى محمدٍ نفسه الذي كان على قوّة عزيمة وعميق إدراك لحكمة اللّه .
هذا ما كان النبيّ يعرفه بقوّة فطنته ، وأن سيؤل إلى ذلك ، ولكن كان كلّما يراجعه زيد بشأن تطليق زينب يوصيه بالإمساك بزوجه ، وهو يدري في قرارة نفسه أنّه يطلّقها لا محالة ، وأن سوف يؤمر بالتزوّج منها ، وكان يخفي ذلك في نفسه وما كان يبديه
« وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ . وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ »
أي سوف يبدو أنّ وراء هذه التطليقة حكمة أخرى يجب إجراؤها .
« وَتَخْشَى النَّاسَ »
في إبداء ما يكنّه صدرك من معرفة حكمة اللّه .
« وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ
هامش
( 1 ) - الأحزاب 37 : 33 .
( 2 ) - الأحزاب 4 : 33 و 5 .