بها حتّى تزوّج منها وحتّى أخذ نفسه بالعناية لها وتنشئة أولادها . أفيزعم المبشّرون والمستشرقون بعد ذلك أنّ امّسَلَمة كانت ذات جمال وهو الذي دعا محمّدا إلى التزوّج منها ؟ ! إن يكن ذلك فقد كانت غيرها من بنات المهاجرين والأنصار مَن تفوقها جمالًا وشبابا وثروةً ونضرة ، ومَن لايبهظه عبء عيالها . لكنّه إنّما تزوّج منها لهذا الاعتبار السامي الذي دعاه ليتزوّج زينب بنت خزيمة « 1 » نظير الذي دعاه للتزوّج من حفصة بنت عمر حسبما عرفت .
ماذا يستنبط التمحيص التاريخي النزيه من ذلك ؟ يستنبط أنّ محمّدا صلى الله عليه وآله نصح بالزوجة الواحدة في الحياة العادية ، وقد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضربه في حياته الزوجية مع خديجة ، وبه نزل القرآن الكريم
« فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ
أن لا
تَعْدِلُوا فَواحِدَةً » .
« 2 »
« وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ » .
« 3 » ولقد نزلت هذه الآيات في أخريات السنة الثامنة للهجرة بعد أن كان قد بنى بأزواجه جميعا ، ونزلت لتحدّد عدد الزوجات بأربع وقد كان إلى حين نزولها لا حدّ له ، ممّا يسقط قول القائلين : إنّ محمّدا أباح لنفسه ما حرّم على الناس !
على أنّه رأى في ظروف حياة الجماعة الاستثنائية إمكان الحاجة للتعدّد إلى أربع على شرط العدل ، وهو قد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضرب أيّام غزوات المسلمين واستشهاد مَن استشهد منهم .
ولعمرك هل تستطيع أن تقطع بأنّ الاقتصار على الزوجة الواحدة حين تحصد الحروب أو الأوبئة أو الثورات ألوف الرجال وملايينها ، خير من هذا التعدّد الذي أبيح على طريق الاستثناء ؟ « 4 »
* * *
هامش
( 1 ) - حياة محمّد ، ص 289 .
( 2 ) - النساء 3 : 4 .
( 3 ) - النساء 129 : 4 .
( 4 ) - وقد حصدت الحرب الصدّامية الاستعمارية ضدّ الجمهورية الإسلامية أكثر من مئتي ألف شهيد وهم من خيرة شبّان المسلمين على وجه الأرض .