يعبث بها حسبما شاء !
وهذا من الأثر المتبقّى من أعرافٍ جاهليّةٍ أُولى ، قام الإسلام بتعديلها وربما آخذا بجانبها ولكن في شيءٍ يسيرٍ لم يرفعها إلى حيث كرامتها الإنسانية العُليا !
قال الشيخ محمد عبده : كان للعرب في الجاهلية طلاق ومراجعة في العدّة ، ولم يكن للطلاق حدٌّ ولاعَدَد . فإن كان لمغاضبةٍ عارضةٍ عاد الزوج واستقامت عشرته ، وإن كان لمضارّة المرأة راجع قبل انقضاء العدّة واستأنف طلاقا ، ثمّ يعود إلى ذلك المرّة بعد المرّة أو يفيء ويسكن غضبه ، فكان المرأة ألعوبة بيد الرجل يضارّها بالطلاق ما شاء أن يضارّها ، فكان ذلك ممّا أصلحه الإسلام من أمور الاجتماع . « 1 »
وذكر في سبب نزول الآيات 228 - 232 من سورة البقرة بهذا الشأن : أنّ الرجل كان يطلّق امرأته ما شاء أن يطلّقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة وإن طلّقها مائة مرّة وأكثر ، حتّى قال رجل لامرأته : واللّه لا اطّلقك فتبيني ، ولا آويك أبدا ! قالت : وكيف ذلك ؟
قال : اطلّقك ، فكلّما همّت عدّتك أن تنقضي راجعتك . فذهبت المرأة حتّى دخلت على عائشة فأخبرتها ، فصبرت عائشة حتّى جاء النبيّ صلى الله عليه وآله فأخبرته بذلك ، فسكت النبيّ هنيئة حتّى نزل القرآن :
« الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
. . .
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . . . »
إلى آخر الآيات . « 2 »
حاول بعض الكتّاب العصريّين أن يجعل من التشريعات الإسلاميّة متأثّرةً بعض التأثّر بتقاليد كانت سائدة ذلك العهد ، فهو وإن كان قام بتعديلات خطيرة في تقاليد العرب لكنّه مع ذلك اضطرّ إلى الرضوخ لبعض تقاليدهم جريا مع مقتضيات الزمان ، ومنها أمر الطلاق حيث جعله بيد الرجل وفقا مع عرف القوم السائد ! قال : ولاسيّما إذا مالا حظنا أنّ التشريعات الإسلامية في مثل هذه الشؤون إمضائية وليست تأسيسية كما هو معروف . « 3 »
* * *
هامش
( 1 ) - راجع : تفسير المنار ، ج 2 ، ص 381 .
( 2 ) - الدرّ المنثور ، ج 1 ، ص 662 ؛ ومجمع البيان ، ج 2 ، ص 329 .
( 3 ) - الدكتور حسين مهرپور أخصّائي في الحقوق ، مجلّة « نامه مفيد » ، العدد 21 ، ص 161 .