مِنْ ماءٍ »
. قال : وفي ظلّ البحوث العلميّة الحديثة ظهرت صلة الحياة بالماء « 1 » معجزة قرآنيّة خالدة .
* * * قال سيّد قطب : وأمّا قوله تعالى :
« وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
فيقرّر حقيقة خطيرة يَعُدُّ العلماء كشفها وتقريرها أمراً عظيماً . ويُمجّدون « دارون » لاهتدائه إليها ! وتقريره : أنّ الماء هو مهد الحياة الأوّل .
وهي حقيقة تثير الانتباه حقّاً ، وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا ، ولايزيدنا يقيناً بصدق هذا القرآن . فنحن نستمدّ الاعتقاد بصدقه المطلق ، فيكلّ ما يقرّره ، من إيماننا بأنّه من عند اللّه ، لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له .
وأقصى ما يقال هنا كذلك : إنّ نظرية النشُوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النصّ القرآني في هذه النقطة بالذات .
ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً كان القرآن الكريم يوجّه أنظار الكفّار إلى عجائب صنع اللّه في الكون ، ويستنكر أن لا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود
« أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ؟ »
وكلّ ماحولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبّر الحكيم . « 2 »
وقال أيضاً - عند قوله تعالى :
« وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ »
- : وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة - حقيقة أنّ كلّ دابّة خُلقت من ماء - قدتعني وحدة العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعاً ، وهو الماء . وقد تعني ما يحاول العلم الحديث أن يثبته من أنّ الحياة خرجت من البحر ونشأت أصلًا في الماء ، ثمّ تنوّعت الأنواع ، وتفرّعت الأجناس .
ولكنّنا نحن على طريقتنا في عدم تعليق الحقائق القرآنيّة الثابتة ، على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل . لا نزيد على هذه الإشارة شيئاً ، مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية ، وهي أنّ اللّه خلق الأحياء كلّها من الماء ، فهي ذات أصل واحد . ثمّ هي - كما ترى
هامش
( 1 ) - الميزان ، ج 14 ، ص 305 .
( 2 ) - في ظلال القرآن ، المجلّد 5 ، ص 531 .