أحسنها - ما قاله القفّال : إنّ قوله « من ماء » صلة « كلَّ دابّة » ، وليس من صلة « خَلقَ » .
والمعنى : أنّ كلّ دابّة متكوّنة من الماء - أي متولّدة من انعقاد النطفة - فهي مخلوقة للّه تعالى . ( الثاني ) أنّ أصل جميع المخلوقات من الماء ، لأنّ الماء هو الأصل الأول الذي خلقه اللّه ، كما ورد في الحديث : أول ما خلق اللّه الماء . ( الثالث ) أنّها متولّدة من النطفة ، أو لأنّها لاتعيش إلّا بالماء . « 1 »
* * * ولكنّ المحقّقين من أهل التفسير لم يزالوا على القول بأنّ المراد من هذا الماء هو الذي منه أصل جميع المخلوقات ، فإنّ من الماء نشأت الحياة وبذرت بذرتها الأولى ، بشكل حيوان بسيط ذي خليّة واحدة ( الأميبا ) « 2 » وارتقت إلى حيوانات معقّدة الأعضاء ذوات الخلايا العديدة ، فوق الملايين . أمّا كيف وجدت أول ما وجدت الحياة - في المياه :
البحار والبحيرات والمستنقعات - فهذا ممّا لم يجد له العلم إجابة صحيحة صالحة للقبول على مسرح العلوم التجريبية المجرّدة .
ومن ثمّ فإنّ نظرية التطوّر في الحياة - على أنحائها وأشكالها - إنّما تبتدئ من عصر ما بعد الخليّة ، أمّا عصر ما قبلها فمجهول ، سوى أنّه أمرٌ تحقّق بإرادة اللّه المهيمن على مقدّرات هذا الكون ، الأمر الذي لامحيص عن الإذعان به ما دام التسلسل باطلًا وكان التولّد الذاتي مستحيلًا ، وقدأبطله العلم على أساس التجربة أيضاً .
قال سيّدنا الأستاذ الطباطبائي قدس سره - عند قوله تعالى :
« وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
- : والمراد أنّ للماء دخلًا تامّاً في وجود ذوي الحياة ، كما قال
« وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ
هامش
( 1 ) - المصدر ، ص 16 .
( 2 ) - قد بسط الأستاذ الطنطاوي الكلام حول هذا الحيوان ذي الخليّة الواحدة في تفسيره الجواهر ( ج 12 ، ص 225 - 226 ) عند قوله تعالى :« وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً ». الفرقان 54 : 25 .
ولشيخنا الأستاذ محمّد تقي الفلسفي أيضاً مقال لطيف حول مسألة الحياة ، بحث فيه على ضوء الآراء الحديثة عن الحياة ونشأتها وتطوّرها ، على أسلوبه الشيّق . فراجع : تفسيره لآية الكرسي ، ص 39 - 98 .