تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
ولفظة « التصعّد » تعطي معنىً آخر هو : تضايق النفس وكربة الصدر والتحرّج ، يقال : تصعّد نَفَسُه أي صَعُب عليه إخراجه . كما يطلق « الصَعُود » و « الصَعَد » على العقبة الكؤودة ، ويستعاران لكلّ أمر شاقّ متناهٍ في المشقّة . قال تعالى :
« وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً » .
« 1 » أي شاقّا أليما للغاية . وقال :
« سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً »
« 2 » قال الراغب : أي عَقَبة شاقّة . إذا فمعنى
« كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ »
: يكابد الأمرّين وتتضايق عليه الحياة ، كمن يتضايق صدره ويتحرّج عليه التنفّس في جوّ خانق ، لا يصل الهواء الكافي إلى رئتيه ، وهذا كمن يحاول العيشة في جوّ السماء المتخلخل الهواء . وتوضيحا لهذا الجانب من تفسير الآية وبيان وجه الشبه لابدّ أن نمهّد مقدّمة : كان المعتقد قديما أنّ الهواء لاوزن له ، حتّى سنة 1643 م ، التي قد تمّ فيها اختراع آلة المرواز ( بارومتر ) على يد « تروشللي » ، وبواسطتها عرف وزن الهواء . فتبيّن عند ذاك أنّ الهواء مكوّن من مجموعة من الغازات ، لكلّ منها وزن معيّن . ويعرف وزن الهواء فوق أي نقطة معيّنة بالضغط الجوّي ، ويمكن قياسه بواسطة البارومتر . وقد عرف الآن أنّ هذا الضغط عند مستوى البحر يعادل ثقل عمود من الزئبق ارتفاعه حوالي 76 سم مكعب . وهذا يساوي من الثقل زهاء ألف غرام على كلّ سانتيمتر مربّع . وقدّر متوسّط ضغط الهواء على إنسان عند سطح البحر مايعادل 14 طنّا ، أي 14 مليون غرام ، لكنّه على ارتفاع 5 كيلو مترات من سطح البحر ، يقلّ هذا الوزن إلى 7 ملايين غرام ، فكلّما ارتفعنا عن سطح البحر ، ينقص الضغط ، خصوصا في طبقات عليا من الهواء ، حيث تقلّ كثافة الهواء فيخفّ وزنه بنسبة هائلة . والواقع أنّ نصف الغاز الهوائي - أي كثافة الغلاف الهوائي ، سواء من حيث الوزن أم من حيث الضغط - يقع بين سطح البحر وارتفاع 6 آلاف متر . كما أنّ ثلاثة أرباعه تقع تحت مستوى 120 ألف متر .
هامش
( 1 ) - الجنّ 17 : 72 . ( 2 ) - المدّثر 17 : 74 .