قيل : لأنّه في كلّ موضع بمعنى غير معناه الآخر ، فوجب الإظهار ليكون كلّ واحد مستقلًاّ بالإفادة ، وإلّا لاحتاج إلى الاستخدام .
فالميزان الأوّل هو النظام الكوني الحاكم على كلّ موجودات العالم . والثاني هو نظام الشريعة الحاكم على أفعال العباد وتصرّفاتهم . والثالث هي آلة الوزن المعروفة . « 1 »
11 - قوله تعالى :
« فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ »
كرّرت إحدى وثلاثين مرّة : ثمانية منها ذكرت عقيب آيات فيها تعداد عجائب الخلق وبدائع الصنع ، والمبدأ والمعاد .
وسبعة منها عقيب آيات العقاب والنار وشدائد نقمته تعالى .
ثمّ ثمانية منها عقيب وصف الجنّات ونعيمها .
وثمانية أخرى بعدها للجنتين وما حوتا عليه من نِعم كبار ، « 2 » رزقنا اللّه التنعّم بنعمها الجسام العظام .
أمّا التذكير بالآلاء عقيب ذكر العقاب والنار فلأنّه أيضا من النِعم التي أنعم اللّه بها على الإنسان ، لأنّ تكوين الشخصية المعتدلة ذو عاملين أساسيين ، عامل الخوف وعامل الرجاء ، فكما أنّ الوعد يُؤثّر في تربية النفس ترغيبا في الثواب ، كذلك الوعيد مؤثّر في التربية ترهيبا عن العقاب . فكلاهما من الآلاء والنِعم الإلهية لهذا الإنسان في سبيل تربيته .
قال الطبرسي : فأمّا الوجه لتكرار هذه الآية في هذه السورة فإنّما هو التقرير بالنِعم المعدودة والتأكيد في التذكير بها كلّها . فكلّما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها قرّر عليها ووبّخ على التكذيب بها ، كما يقول الرجل لغيره : أما أحسنت إليك حين أطلقت لك مالًا ، أما أحسنت إليك حين ملّكتك عقارا ، أما أحسنت إليك حين بنيت لك دارا . . . فيحسن فيه التكرار لاختلاف ما يقرّره .
قال : ومثله كثير في كلام العرب وأشعارهم . ثمّ جعل ينشد أبياتا قالها مهلهل بنربيعة « 3 » يرثي أخاه كليبا ، وقصيدة ليلى الأخيليّة ترثي توبة بنالحمير ، وأبياتا للحارث
هامش
( 1 ) - أسرار التكرار ، ص 198 .
( 2 ) - المصدر .
( 3 ) - هو خال امرئ القيس ، قيل : هو أوّل من قصّد القصائد .