قوله تعالى :
« بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
فإنّه وسّطه بين قصّة نوح وإغراق قومه وحالة السفينة ، ثمّ رجع إلى حال القوم ، وما هذا حاله فإنّه يكون من الاستطراد الحسن وأعجب شأن التنزيل ، فما أغزر أسراره ، وأكثر عجائبه ، وللّه دُرُّ مغاصاته المُخرجة بخلاص عِقيانِهِ ، والمُبرزَة بحصبَاء دُرَره ومَرجانه .
فهذا ما أردنا ذكره من عجائب ما اشتملت عليه علوم هذه الآية ، وبتمامه يتمّ الكلام على المزايا الراجعة إلى ألفاظ القرآن الكريم ، وقد أطلنا فيه التقرير بعض الإطالة ، أحوجَ إلى ذلك الكلامُ في هذه الآية التي ذكرناها . « 1 »
أفصح آية رائعة
ذكر الأصمعي ( صاحب النوادر والملح ، ت 216 ) أنّه سمع بنتا من الأعراب خُماسيّة أو سُداسية « 2 » تُنشد :
استغفر اللّه لذنبي كُلِّهِ * قتلتُ إنسانا بغير حِلِّهِ
مثل غزالٍ ناعمٍ في دَلِّهِ * وانتصف اللّيل ولم اصلِّهِ
قال : فقلت لها : قاتلكِ اللّه ، ما أفصحكِ ! قالت : ويحك ، أيُعَدُّ هذا فصاحة ! مع قوله تعالى :
« وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ، وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي ، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ »
« 3 » .
فجمع في آية واحدة بين : أمرين ، ونهيين ، وبشارتين ! ! « 4 »
آكد آية مُفجعة
ذكر جلال الدين السيوطي عن بعض الأعراب أنّه لمّا سمع قوله تعالى :
« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ، فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ »
« 5 » . صرخ وقال :
من ذا الذي أغضب الجليل حتّى ألجأه إلى اليمين ! « 6 »
هامش
( 1 ) - الطراز ، ج 3 ، ص 228 - 250 .
( 2 ) - أي بنت خمس سنين أو ستّ .
( 3 ) - القصص 7 : 28 .
( 4 ) - مشكلات القرآن الكريم ، للشيخ محمد عبده ، ص 22 .
( 5 ) - الذاريات 22 : 51 - 23 .
( 6 ) - الإتقان ، ج 4 ، ص 46 .