البحث الخامس في بيان موقعها من علم البديع .
اعلم أنّ البديع لقبٌ في هذه الصناعة تعرَف به وجوه تحسين الكلام بعد إحرازه لمعاني البلاغة وأنواع الفصاحة ووضوح دلالته ، وجودة مطابقته ، ثمّ إنّه على رشاقته ضربان : لفظيّ ، ومعنويّ .
فالضرب الأول يتعلّق بالأمور اللفظية ، وهذا نحو التجنيس ، وهو أن تكون الألفاظ متشابهة في الأعجاز والأوزان وغير ذلك ، وقد يقع في المتواطىء كقوله تعالى :
« وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ »
« 1 » وقد يكون في المشترك كقولهم : ما مَلاء الراحة من استوطن الراحة ، ومنه التسجيع ، وهذا كقوله تعالى :
« ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً »
« 2 » وأكثرُ القرآن واردٌ على جهة التسجيع ، ومنه ردُّ العجزُ على الصدر كقوله تعالى :
« وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ »
« 3 » ومنه المُوازنة كقوله تعالى :
« وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ »
« 4 » ومنه القلب كقوله تعالى :
« كُلٌّ فِي فَلَكٍ »
« 5 » وقوله تعالى :
« وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ »
« 6 » إلى غير ذلك ممّا يتعلّق بأحوال الألفاظ كما ترى .
والضرب الثاني ما يتعلّق بالأمور المعنوية ، وهو أكثرُ دَوْرا وأعظمُ إعجابا في البلاغة ، وهذا نحو الطباق ، وهو ذكر النقيضين كقوله تعالى :
« يُحْيِي وَيُمِيتُ »
« 7 » وقوله :
« وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ »
« 8 » وقوله تعالى :
« وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ »
« 9 » والطباقُ كثيرُ الاستعمال في كتاب اللّه تعالى ، ومنه اللفُّ والنشرُ كقوله تعالى :
« وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ »
« 10 » إلى غير ذلك من أنواع البديع وضروبه ، وقد أتينا على جميع أنواعه كلّها ، وأوردنا لها شواهدَ وأمثلة . فأغنى عن التكرير والإعادة في ذلك .
هامش
( 1 ) - الروم 55 : 30 .
( 2 ) - نوح 13 : 71 - 14 .
( 3 ) - الأحزاب 37 : 33 .
( 4 ) - الغاشية 15 : 88 - 16 .
( 5 ) - يس 40 : 36 .
( 6 ) - المدّثّر 3 : 74 .
( 7 ) - مثل سورة البقرة 258 : 2 .
( 8 ) - الفرقان 62 : 25 .
( 9 ) - الأنعام 1 : 6 .
( 10 ) - القصص 73 : 28 .