أنّ أصل الكلام : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ، فبلعت ماءها ، ويا سماء أقلعي عن إرسال ماءك ، فأقلعت عن صبّه ، فلا جَرَم حسنُ أن يقال : وغيض الماء النازلُ من السماء والنابعُ من الأَرض .
ثمّ إنّه جلَّ وتقدَّس أتبعه بما هو المهمُّ المقصود من القصَّة ، وهو قوله تعالى :
« وَقُضِيَ الْأَمْرُ »
والمعني به أنّه أنجز الموعود من إهلاك الكفّار ، ونجاة نوح ومن معه في السفينة ، وإخراجهم إلى الأرض ، لِما أراد منهم من العبادة وعمارتها ، والتناسُل فيها .
ثمّ إنّه تعالى أتبعه بحديث السفينة وذكرها ، وهو قوله تعالى إعلاما لهم بما يُريد من الأُمور التابعة للمصلحة .
ثمّ إنّه تعالى ختم القصّة بالدعاء عليهم بالإبعاد ، فلمّا كانت القصّة من أوّلها دالّة على العذاب العظيم من الإهلاك بالغرق خَتَمَها بما يجانسها من سوء العاقبة بالإبعاد والطرد ، كما هو موضوع في أساليب التنزيل من حسن الفواتح والخواتم .
البحث الثالث في بيان موقعها من الفصاحة اللفظية
. اعلم أنّ الفصاحة من عوارض الكلم اللفظية ، وهي خُلاصة علم البيان وصفوة جوهره ، ويوصفُ بها المفرد والمركّبُ ، وهي أخصُّ من البلاغة ، ولهذا يقال : كلُّ بليغ من الكلام فصيحٌ وليس كلُّ فصيح بليغا . ولا يكون الكلام فصيحا إلّا إذا كان مختصّا بصفات ثلاث :
الأولى منها : أن يكون خالصا من تنافر الأحرف في تأليف اللفظة ونظامها ، فيَسلمَ من مثل قولنا : « عنْجق » وعن مثل قولك : « هعخع » فإنّ ما هذا حاله مجانبٌ للفصاحة بمعزل عن أساليبها ، ولهذا عيب على امرئ القيس قوله : « غدائرُه مُستشزرات إلى العُلى » لما في « مستشزرات » من التنافر المورث للثقل والبشاعة .
الثانية : أن يكون مجنّبا عن الغرابة والعُنجهانية ، فما هذا حاله يكون عاريا عن الفصاحة ، وهذا كقولك في الخمر إنّها « الزرحُون » وإنّها « القرقَف » فيُعدُّ هذا من وحشيّ الكلام وغريبه ، فما الِفَ كان أدخل في الفصاحة .